الأحد، 11 مارس 2012

آثار العمارة في أجداث سقارة


بسم الله الرحمن الرحيم

آثار العمارة في أجداث سقارة


ادب السلوك عند المصرى القديم


بسم الله الرحمن الرحيم

ادب السلوك عند المصرى القديم


http://www.mediafire.com/?ji21qe7g8h90e94

تاريخ السومريون


بسم الله الرحمن الرحيم


تاريخ السومريون

- الكشف عن أرض سومر وجغرافيتها :



إذا عدنا إلى خريطة الشرق الأدنى وتتبعنا المجرى المشترك المكون من نهري دجلة والفرات من مصبه في الخليج الفارسي إلى أن ينفصل المجريان "عند بلدة القرنة الحديثة"، ثم تتبعنا نهر الفرات متجهين إلى الغرب، وجدنا في شماله وجنوبه المدن السومرية القديمة المطمورة هي : إريدو "أبوشهرين الحديثة" وأور "المُقَيَّر الحديثة" وأورك "وهي المسماة إرك في التوراة والمعروفة الآن باسم الوركاء" ولارْسا "المسماة في التوراة باسم إلاسار والمعروفة الآن باسم سنكرة" ولكش "سيبرلا الحديثة" ونبور "نفر". تتبع بعدئذ نهر الفرات في سيره نحو الشمال الغربي إلى بابل التي كانت في يوم من الأيام أشهر بلاد الجزيرة "أرض ما بين النهرين" تجد إلى شرقها مباشرة بلدة كش مقر أقدم ثقافة عرفت في هذا الإقليم، ثم سر بعدئذ مع النهر صعدا قرابة ستين ميلا حتى مقر أجاد قصبة مملكة أكد في الأيام الخالية. ولم يكن تاريخ أرض الجزيرة القديم من إحدى نواحيه إلا صراعا قامت به الشعوب غير السامية التي تسكن بلاد سومر لتحتفظ باستقلالها أمام الهجرات السامية والزحف السامي من كش وأجاد وغيرهما من مراكز العمران الشمالية. وكانت هذه الأجناس المختلفة الأصول في خلال هذا الصراع تتعاون دون أن تشعر بتعاونها- ولعلها كانت تتعاون على الرغم منها-لتقيم صرح حضارة هي أول ما عرف من حضارة واسعة شاملة فذة، وهي من أعظمها إبداعا وإنشاء .

- سلالة السومريون :
وليس في وسعنا رغم ما قام به العلماء من بحوث أن نعرف إلى أية سلالة من السلالات البشرية ينتمي هؤلاء السومريون، أو أي طريق سلكوه حتى دخلوا بلاد سومر. ومن يدري لعلهم جاءوا من آسيا الوسطى أو من بلاد القفقاس أو من أرمينية واخترقوا بلاد ما بين النهرين من الشمال مُتتبعين في سيرهم مجريي دجلة والفرات- حيث توجد- كما في أشور مثلا شواهد دالة على ثقافتهم الأولى.
أو لعلهم قد سلكوا الطريق المائي من الخليج الفارسي- كما تروي الأساطير- أو من مصر أو غيرها من الأقطار، ثم اتخذوا سبيلهم نحو الشمال متتبعين على مهل النهرين العظيمين. أو لعلهم جاءوا من السوس حيث يوجد بين آثارها رأس من الإسفلت فيه خواص الجنس السومري كلها. بل إن في وسعنا أن نذهب إلى أبعد من هذا كله فنقول إنهم قد يكونون من أصل مغولي قديم موغل في القدم.
ذلك بأن في لغتهم كثيراً من التراكيب الشبيهة بلسان المغول . لكن علم هذا كله عند علام الغيوب.

- أهلها وجنسيتهم – مظهرهم :
وتدل آثارهم على أنهم كانوا قصار القامة ممتلئ الجسم، لهم أنوف شم مصفحة ليست كأنوف الأجناس السامية، وجباه منحدرة قليلا إلى الوراء، وعيون مائلة إلى أسفل. وكان كثيرون منهم ملتحين، وبعضهم حليقين، وكثرتهم العظمى يحفون شواربهم .

وكانوا يتخذون ملابسهم من جلود الغنم، ومن الصوف المغزول الرفيع، وكانت النساء يسدلن من أكتافهن اليسرى مآزر على أجسامهن، أما الرجال فكانوا يشدونها على أوساطهم ويتركون الجزء الأعلى من أجسامهم عارياً. ثم علت أثواب الرجال مع تقدم الحضارة شيئاً فشيئاً حتى غطت جسمهم كله إلى الرقبة.
أما الخدم رجالا كانوا أو نساء فقد ظلوا يمشون عراة من الرأس إلى وسط الجسم إذا كانوا في داخل البيوت. وكانوا في العادة يلبسون قلانس على رؤوسهم وأخفافاً في أقدامهم، ولكن نساء الموسرين منهم كن ينتعلن أحذية من الجلد اللين الرقيق غير ذات كعاب عالية، وذات أربطة شبيهة بأربطة أحذيتنا في هذه الأيام. وكانت الأساور والقلائد والخلاخيل والخواتم والأقراط زينة النساء السومريات التي يظهرن بها ثراء أزواجهن كما تظهره النساء الأمريكيات في هذه الأيام.

ولما تقدم العهد بمدنيتهم- حوالي 2300 ق.م حاول الشعراء والعلماء السومريون أن يستعيدوا تاريخ بلادهم القديم. فكتب الشعراء قصصاً عن بداية الخلق ، وعن جنة بدائية، وعن طوفان مروع غمر هذه الجنة وخربها عقاباً لأهلها على ذنب ارتكبه أحد ملوكهم الأقدمين . وتناقل البابليون والعبرانيون قصة هذا الطوفان وأصبحت بعدئذ جزءاً من العقيدة المسيحية. وبينما كان الأستاذ َولي ينقب في خرائب أور عام 1929 إذ كشف على عمق عظيم من سطح الأرض، عن طبقة من الغرين سمكها ثمان أقدام، رسبت - إذا أخذنا بقوله - على أثر فيضان مروع لنهر الفرات ظل عالقاً بأذهان الأجيال التالية ومعروفاً لديهم باسم الطوفان، وصفها الشعراء فيما بعد بأنها العصر الذهبي لتلك البلاد.



وحاول الكهنة المؤرخون في هذه الأثناء أن يخلقوا ماضياً يتسع لنمو جميع عجائب الحضارة السومرية. فوضعوا من عندهم قوائم بأسماء ملوكهم الأقدمين، ورجعوا بالأسر المالكة التي حكمت قبل الطوفان إلى 000ر432 عام ، ورووا عن اثنين من هؤلاء الحكماء وهما تموز وجلجامش من القصص المؤثرة ما جعل ثانيهما بطل أعظم ملحمة في الأدب البابلي. أما تموز فقد انتقل إلى مجمع الآلهة البابليين، وأصبح فيما بعد أدونيس اليونان. ولعل الكهنة قد تغالوا بعض الشيء في قدم حضارتهم ولكن في وسعنا أن نقدر عمر الثقافة السومرية تقديراً تقريبياً إذا لاحظنا أن خرائب نيبور تمتد إلى عمق ست وستين قدما ًوأن ما يمتد منها أسفل آثار سرجون ملك أكد يكاد يعدل ما يمتد فوق هذه الآثار إلى أعلى الطبقات الأرضية (أي إلى بداية القرن الأول من التاريخ الميلادي).

وإذا حسبنا عمر نيبور على هذا الأساس رجع بنا إلى عام 5262 ق.م. ويلوح أن أسراً قوية من ملوك المدن مستمسكة بعروشها قد ازدهرت في كش حوالي عام 4500 ق.م وفي أور حوالي 3500 ق.م.

وإنا لنجد في التنافس الذي قام بين هذين المركزين الأولين من مراكز الحضارة القديمة أول دور من أدوار النزاع بين السامية وغير السامية، وهو النزاع الذي يكوَّن في تاريخ الشرق الأدنى مأساة دموية متصلة تبدأ من عظمة كش السامية وتستمر خلال فتوح الملكين الساميين سرجون الأول وحمورابي إلى استيلاء القائدين الآريين قورش والإسكندر على بابل في القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، وإلى اصطراع الصليبيين والمسلمين لامتلاك قبر المسيح، وإلى التسابق التجاري، وتمتد إلى هذا اليوم الذي يحاول فيه البريطانيون جاهدين أن يسيطروا على الأقوام الساميين المنقسمين على أنفسهم في الشرق الأدنى وينشروا السلام في ربوعه.


وبعد عام 3000 ق.م تروى السجلات المكونة من ألواح الطين التي كان الكهنة يحتفظون بها، والتي وجدت في خرائب أور، قصة دقيقة دقة لا بأس بها عن قيام ملوك المدائن وتتويجهم وانتصارهم غير المنقطع وجنائزهم الفخمة في مدن أور ولكش وأرك وما إليها. وما أكثر ما غالى المؤرخون في هذا الوصف، لأن كتابة التاريخ وتحيز المؤرخين من الأمور التي يرجع عهدها إلى أقدم الأزمان.


- أوروكاجينا الملك المُصلح والمستنير وأحكامه :
وكان واحد من هؤلاء الملوك ، وهو أوروكاجينا ملك لكش ، ملكاً مُصلحاً ومُستبداً مُستنيراً، أصدر المراسيم التي تحرم استغلال الأغنياء للفقراء واستغلال الكهنة لكافة الناس. و ينص أحد هذه المراسيم على أن الكاهن الأكبر يجب "ألا يدخل بعد هذا اليوم إلى حديقة الأم الفقيرة ويأخذ منها الخشب أو يستولي على ضريبة من الفاكهة". وخفضت رسوم دفن الموتى إلى خمس ما كانت عليه، وحرم على الكهنة وكبار الموظفين أن يقتسموا فيما بينهم ما يقربه الناس قرباناً للآلهة من أموال أو ماشية. وكان مما يباهى به الملك أنه "وهب شعبه الحرية". وما من شك في أن الألواح التي سجلت فيها مراسيمه تكشف عن أقدم القوانين المعروفة في التاريخ وأقلها ألفاظاً وأكثرها عدلا.

- خاتمة تاريخ أور :
واختتمت هذه الفترة الواضحة من تاريخ أور كما تختتم في العادة مثيلاتها من الفترات على يد رجل يدعى لوجال- زجيزي ، غزا لكش وأطاح بأوروكاجينا ونهب المدينة وهي في أوج عزها ورخائها، وهدم معابدها وذبح أهلها في الطرقات، وساق أمامه تماثيل الآلهة أسيرة ذليلة.

- أقدم القصائد المعروفة في التاريخ قصيدة الشاعر السومري دِنْجِرِ دَّامو :
ومن أقدم القصائد المعروفة في التاريخ قصيدة كتبتْ على لوح من الطين لعل عمرها يبلغ 4800 سنة يرثى فيها الشاعر السومري دِنْجِرِ دَّامو نّهاب إلهة لكش ويقول فيها :

"وا أسفاه! إن نفسي لتذوب حسرة على المدينة وعلى الكنوز
وا أسفاه! إن نفسي لتذوب حسرة على مدينتي جرسو "لكش" وعلى الكنوز
إن الأطفال في جرسو المقدسة لفي بؤس شديد
لقد استقر "الغازي" في الضريح الأفخم
وجاء بالملكة المعظمة من معبدها
أي سيدة مدينتي المقفرة الموحشة متى تعودين ؟ "


ولا حاجة بنا إلى الوقوف عند السفاح لوجال- زجيزي وغيره من الملوك السومريين ذوي الأسماء الطنانة الرنانة أمثال لوجال- شجنجور، ولوجال- كيجوب- تدودو، وننيجي- دبتي، ولوجال- أندرنوجنجا...


- مملكة أكاد تُحرر أور السومريين بقيادة سرجون الأعظم :
وفي هذه الأثناء كان شعب آخر من الجنس السامي قد أنشأ مملكة أكد بزعامة سرجون الأول، واتخذ مقر حكمه في مدينة أجاد على مسيرة مئتي ميل أو نحوها من دول المدن السومرية من ناحية الشمال الغربي. وقد عثر في مدينة سومر على أثر ضخم مكون من حجر واحد يمثل سرجون ذا لحية كبيرة تخلع عليه كثيراً من المهابة، وعليه من الثياب ما يدل على الكبرياء وعظيم السلطان.
ولم يكن سرجون هذا من أبناء الملوك: فلم يعرف التاريخ له أباً، ولم تكن والدته غير عاهرة من عاهرات المعابد. ولكن الأساطير السومرية اصطنعت له سيرة روتها على لسانه شبيهة في بدايتها بسيرة موسى.

فهو يقول: "وحملت بي أمي الوضيعة الشأن، وأخرجتني إلى العالم سراً ووضعتني في قارب من السل كالسلة وأغلقتْ علىَّ الباب بالقار". وأنجاه أحد العمال، وأصبح فيما بعد ساقي الملك، فقربه إليه، وزاد نفوذه وسلطانه. ثم خرج على سيده وخلعه وجلس على عرش أجاد، وسمى نفسه "الملك صاحب السلطان العالي" وإن لم يكن يحكم إلا قسما صغيراً من أرض الجزيرة.

ويسميه المؤرخون سرجون "الأعظم" لأنه غزا مدناً كثيرة، وغنم مغانم عظيمة، وأهلك عدداً كبيراً من الخلائق. وكان من بين ضحاياه لوجال- زجيزي نفسه الذي نهب لكش وانتهك حرمة إلهتها، فقد هزمه سرجون وساقه مقيداً بالأغلال إلى نيبور. وأخذ هذا الجندي الباسل يخضع البلاد شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، فاستولى على عيلام وغسل أسلحته في مياه الخليج الفارسي العظيم رمزاً لانتصاراته الباهرة، ثم اجتاز غرب آسية ووصل إلى البحر الأبيض المتوسط ، وظل يحكمها خمساً وخمسين سنةً، وتجمعت حوله الأساطير فهيأت عقول الأجيال التالية لأن تجعل منه إلهاً. وانتهى حكمه ونار الثورة مشتعلة في جميع أنحاء دولته.





وخلفه ثلاثة من أبنائه كل منهم بعد أخيه. وكان ثالثهم نارام - سِنْ بنَّاء عظيماً وإن لم يبق من أعماله كلها إلا لوحة تذكارية تسجل انتصاره على ملك خامل غير ذي شأن. وقد عثر ده مورجان على هذه اللوحة ذات النقش البارز في مدينة السوس عام 1897، وهي الآن من كنوز متحف اللوفر، وتمثل نارام- سِنْ رجلاً مفتول العضلات، مسلحاً بالقوس والسهام، يطأ بقدميه في خيلاء الملوك أجسام من ظفر بهم من أعدائه. ويدل مظهره على أنه يتأهب لأن يرد بالموت العاجل على توسل أعدائه المنهزمين واسترحامهم. وصور بين هؤلاء الأعداء أحد الضحايا وقد أصابه سهم اخترق عنقه فسقط على الأرض يحتضر، وتطل على هذا المنظر من خلفه جبال زغروس. وقد سجل انتصار نارام- سِنْ على أحد التلال بكتابة مسمارية جميلة. وتدل هذه اللوحة على أن فن النحتْ قد توطدت وقتئذ قواعده وأصبحتْ له تقاليد مرعية طويلة الأمد.


على إن إحراق مدينة من المدن لا يكون في جميع الأحوال من الكوارث الأبدية التي تبتلى بها، بل كثيراً ما يكون نافعاً لها من الناحيتين العمرانية والصحية.
وهذه القاعدة تنطبق على لكش في ذلك العهد، فقد ازدهرت هذه المدينة من جديد قبل أن يحل القرن السادس والعشرون قبل الميلاد، وذلك في عهدملك آخر مستنير يدعى جوديا ، تعد تماثيله القصيرة المُكتنزة أشهر ما بقى من آثار فن النحت السومري.

وفي متحف اللوفر تمثال له من حجر الديوريت يمثلهُ في موقف من مواقف التقوى، ورأسه ملفوف بعصابة ثقيلة كالتي نشاهدها في التماثيل المقامة في مسرح الكولوسيوم، ويداه مطويتان في حجره، وكتفاه وقدماه عارية، وساقاه قصيرتان ضخمتان يغطيهما ثوب نصفي مطرز بطائفة كبيرة من الكتابة المقدسة. وتدل ملامحه القوية المتناسبة على أنه رجل مفكر، عادل، حازم، دمث الأخلاق. وكان رعاياه يجلونه، لا لأنه جندي محارب، بل لأنه فيلسوف مفكر أشبه ما يكون بالإمبراطور ماركس أوريليوس الروماني، يختص بعنايته الشؤون الدينية والأدبية والأعمال النافعة الإنشائية، شاد المعابد، وشجع دراسة الآثار القديمة بالروح التي تدرسها بها البعثات التي كشفت عن تمثاله، ويحد من سلطان الأقوياء رحمة بالضعفاء. ويفصح نقش من نقوشه التي عثر عليها عن سياسته التي من أجلها عبده رعاياه واتخذوه إلهاً لهم بعد موته: "في خلال سبع سنين كانت الخادمة نداً لمخدومتها، وكان العبد يمشي بجوار سيده، واستراح الضعيف في بلده بجوار القوي".


- أور الكلدان :
وفي هذه الأثناء كانت "أور مدينة الكلدان" تنعم بعهد من أكثر عهودها الطوال رخاءً وازدهاراً، امتد من عام 3500 ق.م "وهو على ما يلوح عهد أقدم مقابرها" إلى عام 700 ق.م وأخضع أعظم ملوكها أور- انجور جميع بلاد آسيا الغربية ونشر فيها لواء السلام وأعلن في جميع الدولة السومرية أول كتاب شامل من كتب القانون في تاريخ العالم. وفي ذلك يقول: "لقد أقمتْ إلى أبد الدهر صرح العدالة". ولما زادت ثروة أور بفضل التجارة التي انصبت إليها صبا عن طريق نهر الفرات فعل فيها ما فعل بركليز بأثينا من بعده فشرع يجملها بإنشاء الهياكل، وأقام فيها وغيرها من المدائن الخاضعة له أمثال لارسا وأوروك ونبور كثيراً من الأبنية. وواصل ابنه دنجى طوال حكمه الذي دام ثمانية وخمسين عام أعمال أبيه، وحكم البلاد حكماً عادلاً حكيماً، جعل رعاياه يتخذونه من بعد موته إلهاً، ويصفونه بأنه الإله الذي أعاد إليهم جنتهم القديمة.
لكن سرعان ما أخذ هذا المجد يزول، فقد انقض على أور التي كانت تنعم وقتئذ بالرخاء والفراغ والسلم أهل عيلام ذوو الروح الحربية من الشرق، والعموريون الذين علا شأنهم وقتئذ من الغرب، وأسروا ملكها، ونهبوها ودمروها شر تدمير. وأنشأ شعراء أور القصائد التي يندبون فيها انتهاب تمثال إشتار أمهم الإلهة المحبوبة التي انتزعها من ضريحها الغزاة الآثمون. ومن الغريب أن هذه القصائد التي صيغت في صيغة المتكلم، وأسلوبها مما لا تسر منه الأدباء السفسطائيين، ولكننا على الرغم من هذا نحس من خلال الأربعة آلاف من السنين التي تفصل بيننا وبين الشاعر السومري بما حل بالمدينة وأهلها من خراب وتدمير. يقول الشاعر:

لقد انتهك العدو حرمتي بيديه النجستين ؛
انتهكت يداه حرمتي وقضى على من شدة الفزع.
آه، ما اتعس حظي! إن هذا العدو لم يظهر لي شيئاً من الاحترام،
بل جرّدني من ثيابي وألبسها زوجه هو،
وانتزع مني ُحليي وزين بها أخته،
وأنا "الآن" أسيرة في قصوره- فقد أخذ يبحث عني
في ضريحي- واحسرتاه. لقد كنت ارتجف من هول اليوم الذي اخرج فيه،
فقد أخذ يطاردني في هيكلي، وقذف الرعب في قلبي،
هناك بين جدران بيتي ؛ وكنت كالحمامة ترفرف ثم تحط
على رافدة، أو كالبومة الصغيرة اختبأت في كهف،
وأخذ يطاردني في ضريحي كما يطارد الطير،
طاردني من مدينتي كما يطارد الطير وأنا أتحسر وأنادي
إن هيكلي من خلفي، ما أبعد المسافة بينه وبيني
وهكذا ظلت بلاد سومر خاضعة لحكم العيلاميين والعموريين مائتي عام تبدو لأعيننا كأنها لحظة لا خطر لها.


ثم أقبل من الشمال حمورابي العظيم ملك بابل واستعاد من العيلاميين أوروك وإيسين، وظل ساكناً ثلاثاً وعشرين سنة غزا بعدها بلاد عيلام، وقبض على ملكها، وبسط حكمه على عمور وأشور النائية، وأنشأ إمبراطورية لم يعهد لها التاريخ من قبل لها مثيلاً في قوتها، وسن لها قانوناً عاماً نظم شئونها. وظل الساميون بعد ذلك الوقت قروناً كثيرة يحكمون ما بين النهرين حتى قامت دولة الفرس، فلم نعد نسمع بعدئذ شيئا عن السومريين إذ طويت صحفهم القليلة في كتاب التاريخ.

السبت، 10 مارس 2012

المرأة والكهنوت

بسم الله الرحمن الرحيم

دور المرأة فى الكهنوت


لم تبتعد المرأة فى أى من العصور التاريخية القديمة عن خدمة المعبد، فقد كان بعض النساء يتضرعن لخدمة المعبد كما يفعل الرجال، وذلك بالرغم مما قاله "هيردوت" أن: (المرأة لا تصبح كاهنة لإلهٍ أو لإلهة). فقد ظهر دور المرأة واضحاً فى الحريم الخاص بالملوك والأفراد، أو ذلك الحريم الخاص بالمعبودات.

وقد توافرت الأدلة والشواهد على مشاركة المرأة هذه من عصر الدولة القديمة، سواء أكان ذلك من خلال ألقاب حملتها بعض سيدات الدولة (كالملكات، والأميرات، وزوجات كبار رجال البلاط)، أم كان من خلال مناظر العازفات والراقصات المؤديات للطقوس، وفى مقابر الأفراد.

وقبل الخوض فى دور المرأة، يجب أولاً أن نوضح مفهوم (الحريم) فى مصر القديمة.

الحـريم
تشير كلمة "الحريم" إلى (مجموعة المغنِّين والمغنيات، والراقصين والراقصات، والمؤدِّين والمنشدات). وتقرأ الكلمة الدالة عن هذه الفئة عادةً: (Xnrt , xnrwt , xnr). وقد اختلفت الآراء حول تفسير معنى هذا اللقب أو التسمية، وتُترجم عادة بمعنى: (الزوجة التى تعيش الزوجية بدون زواج شرعى، أى: المحظية)؛ أو تترجم بمعنى: (حريم)، وهذا الافتراض يتفق مع المعنى الجذرى للكلمة (حَصَر، حَبَس، قَصَر، كبح، مَلك نفسَه)، وكذلك اشتقت من ذلك كلمات أخرى ذات صلة، مثل "السجين" (xnr) أو "السجن" (xnrt).
وقد ظهرت الكلمة فى أغلب فترات التاريخ المصرى القديم بأشكال مختلفة، حيث كان الشكل الأقدم والأكثر شيوعاً لها فى ظل عصر الدولة القديمة هو:
(xnr).

ومع بداية الأسرة السادسة ظهرت علامة
(r) كمتمم صوتى للكلمة،

وذلك فى الشكل
،

وذلك إلى جانب هذا الشكل الكتابى
.

أما عن وجود الحرف (t) فى كلمة (xnrt) المكتوبة بعلامة (r)، فقد ظهر فى الدولة القديمة ، حيث لاحظ "فيشر" ظهور الكلمة بحرف "التاء" (t) فى ثلاثة مقابر تؤرخ بالأسرة السادسة، ومنها ما ورد فى مقبرة "محـو" (MHw) فى "سقارة" بهذا الشكل .

وفى مقبرة "مرى روكا" بسقارة أيضاً وردت الكلمة بالشكل:
.

وقد اختلف الباحثون فى تحديد معنى كلمة (xnr)، حيث أشارت قواميس اللغة إلى المصطلح (Pr-xnr) بمعنى (الحريم). وقد استخدم ليشير إلى "الحريم" فى عصر الدولة الحديثة. وأورد "قاموس برلين" الكلمة (xnr)، وأرخ ظهورها بعصر الدولة القديمة، وترجمها (الحريم وسكانه).
أما عن كلمة (xnr)، فقد اختلف الباحثون فى تحديد مدلولها، فرأى البعض أنها تعنى: (سكان الحريم) ، بينما رأى البعض الآخر أنها تعنى: (عازفو الموسيقى).
كما عــارض "نورد" (Nord) فى تعليقه على ما ذكره "رايزنر" (Reiser) أن الكلمة التى تعنى (سكان الحريم) لم تكن مطابقة للحريم الملكى والخاص فى عصر الدولة القديمة.
وأضاف أن استخدام الكلمة للمنشدين والراقصات مرتبط بالحريم الخاص أكثر من ارتباطه بحريم الملوك. وأضاف أن الكلمة كانت تقتصر فى استخداماتها المختلفة على الغناء والرقص. وقد أيده "شبايبل" (Speipel) مشيراً إلى عدم استخدامها للتعبير عن "الحريم الملكى" فى عصر الدولتين القديمة والوسطى.
ويشير "نورد" (Nord) إلى أن هذه الكلمة قد جاءت فى بعض الألقاب مؤنثة، وفى البعض الآخر بصيغة المذكر، وأحياناً ما تشتمل على الجنسين معاً ، وأنها قد ظهرت فى أغلب فترات التاريخ المصرى بأشكال كتابية مختلفة، ومعانى مختلفة كذلك. وعلى الرغم من تناول "قاموس برلين" وعدد من الباحثين لها، إلا أنه لم يُتوصل إلى تحديد وتعريف دقيق لها.
ويفضل "وارد" (Ward) قراءة الكلمة (xnrw.t)، ويرى أنها ترتبط بالمغنين والمغنيات، والراقصين والراقصات. وقد استعان ببعض الأدلة من الدولة القديمة والوسطى، والتى تؤكد على أن الدور الأساسى لهؤلاء الحريم هو الرقص والغناء المرتبط فى الغالب بالطقوس والشعائر الدينية.
وتشير كلمة "الحريم" إلى (الحريم الملكى، والخاص)، وذلك إلى جانب "الحريم الإلهى" (الخاص بالمعبودات)، والذى يرتبط بالمعابد وأماكن العبادة . ويذكر (Nord) أن الحريم الملكى قد وجد قبل عصر الدولة الحديثة . وسبق أن تناولنا المصطلح بالتفصيل، وخاصة فى ارتباطه بحريم المعبودات ، وذلك فى كتابنا عن "المـرأة فى مصـر القديمـة".
وهكذا فإن المرأة شغلت مكانة ودوراً هاماً كحريم للملوك والمعبودات على حد سواء، ويستدل على ذلك بأنه كانت هناك كاهنات للمعبودات "حتحور"، و"نيت"، و"باخت"، ولكل من المعبودين "ﭽحوتى" و"أنوبيس"، ولبعض ملوك الدولة القديمة.
وكانت الربة "حتحور" تحظى بأكبر عدد من الكاهنات، إذ كن يزدن عن عدد كهنتها. وكانت المعبودة "نيت" تليها من حيث عدد كاهناتها، ولم يكن لها كهنة من الرجال. ويرجع أقدم مثال لكاهنات "حتحور" إلى الأسرة الرابعة، حيث شغلتها مثلاً "نفرت نسو" ابنة الملك "سنفرو" . وقد تباهت بعض كبريات الشخصيات من الحريم فى عصر الدولة القديمة بأنهن قد شغلن مناصب كاهنات للربتين "نيت" و"حتحور".
وربما أن هؤلاء السيدات كنَّ من سيدات المجتمع، أو كنَّ مجرد بناتٍ لكهنة، ورثن وظائف آبائهن. وأما ظهور المرأة كمغنية أو موسيقية فهو أمر أكثر شيوعاً، وتحفل النقوش بمناظر لنساء يمسكن الصلاصل، أو يعزفن على الجنك أمام المعبود لإرضائه.

وقد اتخذت "مغنية المعبود" اللقب:
(Smaty nt nTr)، حيث ظهر هذا اللقب منذ عصر الدولة الوسطى دون أن يكون مرتبطاً بمعبود معين.
وكان فى المعابد محظيات المعبود، واللائى كان يطلق عليهن (حريم المعبود)، وكان يطلق على رئيستهن اللقب (wrt xnt nt). ولقد كان المعبود "آمون" باعتباره رباً للامبراطورية فى الدولة الحديثة- يحظى بأكبر عدد من المحظيات إذا ما قورن بغيره من الأرباب الآخرين الذين كان لهم حريم أيضاً، مثل "أنوريس"، و"حرى شا.ف"، و"مين"، و"سبك"، و"ﭽحوتى"، و"أوزير"، و"مونتو"، وربما المعبود "وب واوت". وكانت الأكثر عظمة بين المحظيات عادة زوجة الكاهن الأكبر، تلك التى يُسبَغ عليها الشرف، ولكن توجد على رأس المعبود، أى الزوجة الحقيقية للمعبود ممثلة للربة "موت". الوظائف الكهنوتية والجنائزية للمرأة



ومما سبق نلاحظ أن الوظائف النسائية فى الخدمة الدينية والكهنوتية قد تعددت، سواء أكانت تخص أحد الملوك، أم أحد الأفراد، أو سواء أكانت الشعائر الجنائزية والطقوس تؤدى للشخص المتوفى، أم كانت هذه الخدمة النسائية ترتبط بأحد الأرباب فيما يُعرف باسم (الحريم الإلهى) على نحو ما سنرى لاحقاً.

وعلى كل حال فإن دور المرأة فى هذه الخدمة قد تواجد منذ بداية العصور التاريخية، واستمر تواجده عبر مختلف العصور التاريخية. إلا أن هذا الدور لم يلمع ولم يظهر بشكل مميز يكاد يفوق مثيله من كهنوت الرجال إن لم يفُقه بالفعل، وذلك منذ منتصف عصر الدولة الحديثة، وخلال العصور المتأخرة؛ وذلك حينما برز دور (الزوجة الإلهية للمعبود "آمون") فى "طيبة"، والتى كانت تترأس كهنوت "آمون" فى "طيبة". فكانت المأة لها دور هام كحريم خاص لكل من الملوك، والأفراد، والموتى، والأرباب.



الحريم الملكي والخاص
كان للملوك والأمراء وحكام الأقاليم وكبار رجال الدولة -إلى جانب زوجاتهم- حريمٌ خاص بهم يضم عدداً من المحظيات. وكانت مهمتهن أن يشرحن قلوب سادتهن بالغناء والرقص والموسيقى.
وكان لهن رئيسة تشرف على شئونهن، وموظفون يقومون بنفس المهمة. وكان دخول المرأة فى حريم الملك بالذات يعنى شرفاً كبيراً لها، ومن بينهن من أصبحن زوجات للملوك.



الـحريم الخاص بالمتوفى
كان للحريم دور في الطقوس الدينية لصالح الشخص المتوفى، حيث ارتبط الرقص والغناء وعزف الموسيقى بالمعبودة "حتحور". وكان ذلك يحدث في حضرة المتوفى أو تمثاله، أو يصور في أي مكان آخر على جدران المقبرة. وظهر ذلك في عدد من مقابر الأسرات الخامسة والسادسة.



الحـريم الإلهي
ولم يكن نظام "الحريم" قاصراً على البشر فحسب، بل اختص بعض الأرباب والربات بحريم خاص في معابدهم، كان يتضمن عدداً من المحظيات أو المؤديات، ويكون على رأسهن عادة سيدة تحمل اللقب: (imytr xnr.t n ….)، أي: (المشـرفة على حـريم المعبــود(ة) فلانـ(ـة))؛ أو اللقـب: (wrt xnr.t)، أي: (كبيرة الحريم). واللقب الأخير تحمله -في معظم الحالات- زوجة "الكاهن الأكبر"، أو ابنته، وقد تكون في بعض الأحيان هي زوجة الكاهن الثاني.

وقد ارتبط "الحريم" بالمعبودات منذ عصر الدولة القديمة، مثل المعبودة "بات" و"حتحور". وفى الدولة الحديثة ارتبط بالربات "إيزيس"، و"نخبت"، و"باستت"، وغيرهن.
ولعل أقدم مثال لارتباط الحريم بمعبد كان في عصر الأسرة الخامسة، وذلك في منظر للراقصات اللائي يعلوهن بمقبرة "بتاح حوتب".

الكهنة والكهنوت


بسم الله الرحمن الرحيم

الكهنوت


لعب الدين دوراً كبيراً فى حياة الشعب المصرى القديم، وفى التقدم الذى حققته الحضارة المصرية القديمة. وقد قال "هيردوت" عن المصريين القدماء: "إن المصريين كانوا أشد الناس تديناً، وكانوا يعتقدون أن كل شئ فى العالم ملك للآلهة، وأنهم منبع كل خير، وأنهم على علم برغباته الدنيوية، وأن فى استطاعتهم فى كل وقت أن يتدخلوا فى شئون البشر".

ولذلك كان المصريون يقيمون المعابد والمقاصير للمعبودات، وكأنها مستقر أرضى لهم. ولما كان الملوك الفراعنة من سلالة الأرباب فى الاعتقاد المصرى القديم، لذا كان عليهم أن يقوموا بتأدية الطقوس الدينية لهؤبلاء الأرباب، ولما كان ذلك من المستحيل، وخاصة لتعدد مهام الفرعون الأخرى، وأيضاً لتعدد الأرباب ومعابدهم فى مصر، فقد أوكل الملك عنه طائفة الكهنة، فأصبح هؤلاء مسئولين عن إقامة الشعائر الدينية فى المعابد بالإنابة عن الفرعون نفسه، وذلك كما سنرى لاحقاً.


وقد برع الكهنة المصريون فى مجالات كثيرة ومعارف مختلفة طوال العصور المصرية القديمة، ولا أدل على ذلك من مقولة أحد الكهان الطاعنين فى السن فى العصر المتأخر لسولون، أحد دعائم الديمقراطية الأثينية المشهورين، إذ قال له: "إنكم يا معشر الإغريق ما زلتم أطفـالاً، فليس فى اليونان شيوخ !". فسأله "سولون": "ماذا تقصد ؟"؛ فرد عليه الكاهن المصرى: "إن مدارككم ما زالت شابة، وذلك لأنكم لا تملكون قديماً من التقاليد ومن المعارف التى شيبها الزمن ! "

الكهنـة والكهنوت


من المعروف أن العبادات فى مصر القديمة كانت تقام فى أى معبد باسم الملك الذى كان مسئولاً عن إقامة العبادات والشعائر أمام الأرباب، فضلاً عن دوره السياسى والإدارى والتشريعى. وهكذا فإن واجبات الملك الدينية تعددت، فكان هو المسئول عن إقامة المعابد للأرباب، وتقديم القرابين والهدايا لهم، والقيام بالخدمة الدينية والطقوس الخاصة بالأرباب فى هذه المعابد، أى أنه كان الكاهن الأول لكل المعبودات، وكذلك كانت تقام له الصلوات بجانب الأرباب الذين عُبدوا فى هذه المعابد

وقد اختلفت العلاقة بين الملك والمعبود عن علاقة المعبودات بغيره من الرعية؛ فالملك بوصفه حاكم البلاد، ونائب الأرباب فى إقرار النظام والحكم على الأرض، كان أيضاً بمثابة ابن الأرباب وخليفتهم على الأرض؛ ومن ثم فإنه كان يعد هو الكاهن الأول لكل البلاد، ووجب عليه القيام بمختلف الطقوس لكافة المعبودات المصرية فى كل المعابد المختلفة فى طول البلاد وعرضها.
ومن البدهى أن هذا الأمر كان محالاً وفقاً للاعتبارات الزمانية والمكانية، ومن ثم فقد كان الملك ينيب عن نفسه أولاده أو كبار موظفيه فى كل إقليم وفى كل مدينة. على أن الملك كان يقوم بنفسه بأداء هذه الواجبات تجاه معبود العاصمة، والرب الرسمى للبلاد. وقد وردت عبارة فى أحد فصول الشعائر تذكر: "إن الأرباب قد أعدوا لى السبيل، وإن الملك هو الذى يرسلنى لاجتلاء طلعة المعبود".
فالملك إذاً كان هو المسئول عن تعيين الكهنة، والذين كان يتم اختيارهم عادة من أسمى درجات المجتمع. وعلى هذا فإن مكانة الكهانة كانت تستند فى المقام الأول على الإنابة عن الملك الحاكم المؤلَّه فى تأدية الطقوس الدينية اليومية فى كل المعابد، وفى كافة أرجاء البلاد باسم الملك، ولكل المعبودات والأرباب

مفهـوم الكهـانة


تشير كلمة "كهنة" إلى العاملين الذين كانوا ملحقين بالمعابد لكى يؤدوا فيها مهام عديدة شديدة التنوع، وعلى رأس هذه المهام إقامة الطقوس اليومية للرب القاطن بالمعبد، أو بمعنى آخر أن الكاهن هو كل رجل يمتلك طهارة جسدية، أو يضع نفسه فى مكان الطهارة والنقاء المطلوب، بغية الدخول إلى المكان المقدس، أو الاقتراب منه، أو لمس أى جسم أو طعام مخصص للمعبود.
ولم تكن الدار المقدسة أو المعبد المصرى يشبه ما نعنيه الآن بمكان العبادة، إذ لم يكن مكاناً يذهب إليه المتعبدون ليصلوا لمعبود، ولا كان داراً تحتشد فيها الجماهير لممارسة الطقوس الروحية، وتترقب أن يتجلى عليها المعبود إبان الاحتفال؛ كما أنه لم يكن مكاناً تقام فيه الشعائر المقدسة التى يؤم فيها إمامٌ جمهرةً من الناس؛ ذلك لأن المعبد المصرى كان لا يستقبل الجماهير داخل حرم المعبد نفسه.
ومهما يكن من أمرهم، فهم لم يخرجوا عن كونهم مواطنين مأذونين من الملك بأن يحلوا محله فى أداء بعض الطقوس المادية اللازمة للصالح العام، والعقيدة لا تدين لأشخاصهم بعينهم بشئ. أى أنه لا يجب علينا أن ننظر إلى الكاهن المصرى بنفس الطريقة فى الديانات الحديثة، ولا أن نشبهه بالقسيس أو الحاخام أو غيرهما، أى أن اسم الكاهن ببساطة ترجمة حديثة لعدد من الأعمال الدينية المرتبطة بالمعبد المصرى القديم.

نشـأة الكهـانة



لما كان الفرعون -بوصفه ملكاً على مصر- ابناً وخليفة للأرباب، يقدم لهم القرابين باعتبارهم أسلافاً له، كما كان كأى فرد عادى يقدم قرابينه لأرواح أجداده، فمن ثم كان هو الكاهن الأول لكل معبود فى البلاد، وبالتالى كان عليه أن يقوم بالطقوس الواجبة نحو المعبودات كافة.
وقد كان من المستحيل على ملك مصر -بعد أن أصبحت مصر مملكة موحدة- أن يكون هو الإمام الفعلى فى إقامة الطقوس، لكنه احتفظ بهذه الإمامة إسمياً فقط، وبقيت له صورها مرسومة على المعابد. فكثيراً ما نجد الملك مصوراً فى النقوش والمناظر وهو يقوم بالشعائر وطقوس التقدمة للمعبودات والأرباب داخل المعبد.
أما من الناحية العملية فإن الملك نزل عن هذه الإمامة لمتخصصين انتدبهم ليقوموا بها بدلاً عنه، أو كان ينيب عنه أولاده أو أحد الأمراء من أسرته، أو أحد خلفائه من رجال البلاط. وقد كان أمثال هؤلاء بمثابة نواب الفرعون فى أمور الدين، وهذه النيابة الدائمة تتمثل فى منصب (كبير الكهنة).
أى أن الكهنة كانوا منوبين عن السلطة الملكية المؤلَّهة، وقد جاء فى أحد فصول الشعائر المقدسة على لسان كاهن: (إن الأرباب قد أعدوا لى السبيل، وأن الملك هو الذى يرسلنى لاجتلاء طلعة المعبود). أى أن الملك هو الذى كان يعين الكهنة الذين كانوا عادة ما يُختارون من أسمى درجات المجتمع، بل من الدم الملكى أحياناً .
وقد كانت السلطة التى حظى بها هؤلاء الكهنة لدى الشعب تعتمد فى جوهرها على أنهم كانوا يعتبرون حماة للأشياء المقدسة، وبهذا لم يكن لهم أن يسمحوا بإدخال أى تغيير، وخاصة على المظاهر الشكلية للصلاة، وهى التى كان الشعب يراها.
وقد ظل الكهنة يحافظون على معتقدات شعبهم طوال آلاف السنين، كما حرصوا على الإبقاء على ما وصل إليهم من أجدادهم. وكان من الطبيعى على شعب زراعى مثل الشعب المصرى أن يتمسك بكل هذه العقائد، ولكن الإبقاء عليها بكل ما تحويها من دقائق بسيطة مختلفة لم يكن إلا نتيجة لتفقه أولئك الكهنة فى عالم الكهنوت


شروط الكهانة، والتزام الكهنوت

كان المعبد المصرى القديم هو المقر الأرضى الذى يُحتَفظ فيه بالتمثال الذى ارتجاه الرب المعبود ليرعى منه هذا العالم. وكان الكهنة هم خدم هذا المعبود المقيم فى المعبد فى صورة تمثاله. ونظراً لارتباطهم بالمعبودات، ودخولهم الحرم المقدس للمعبود، فقد اشترط القوم أن تتوافر فيهم شروط أولية، أهمها الطهارة المادية. وفيما يلى أهم هذه الاشتراطات أو الواجبات، أو قل الفروض اللازمة.

الطهارة المادية

كان الشئ الأول الذى يُطلب من كل كاهن، وكذلك من كل من يقترب من الأشياء المقدسة، هو وجوب الطهارة. ونقرأ مثلاً فى بئر يرجع إلى الدولة القديمة ما يلى: (كل من يدخل هنا يجب أن يكون نقياً، وعليه أن يتطهر كما يتطهر عند معبد الرب الكبير).
وكذلك نرى فى الدولة الحديثة بعض الأتقياء وهم يهدون إلى المعبد أحواضاً كانت تستخدم للتطهير من غير شك، وذلك لكى تكون أيدى الكنهة مطهرة .

ولما كانت الطهارة من أهم صفات الكهنة، فقد أطلق على أكثر طوائفهم انتشاراً المسمى "وعـب" ، والذى يعنى (الكاهن المُطهَّر)؛ ومن الاسم نجد أن أول علامة تمثل إناء ينسكب منه الماء، فى إشارة إلى الطهارة، والتى لها أشكال عديدة.
الاغتسـال

ذكر "هيردوت" فى الفقرة (37) عن الكهنة: "إنهم يغتسلون بالماء البارد مرتين فى النهار، ومرتين فى الليل" . وغالباً ما كان الاغتسال يتم فى البحيرات المقدسة الملحقة بالمعابد.

رمزية طقسة الاغتسال أو الطهارة

الماء فى الفكر الدينى المصرى هو العنصر الأول الذى خرجت منه الحياة، وفيه تختفى الشمس عند الغروب لتستمد منه نشاطاً جديداً يمنحها يوماً جديداً كله شباب وحيوية.
ولذلك نرى فى بعض النقوش -التى تصور منظر التطهير- أن المصريين كثيراً ما كانوا يستبدلون لون صورة الماء الذى ينساب من إناء بسلسلة تتكون حلقاتها من الرمز الذى يصور الحياة (anx) عند المصريين؛ أى أن اغتسال الكهنة كان يملؤهم حياةً جديدة تمكنهم من القيام بخدمتهم اليومية فى غير كلل.

وكان على الكاهن أن يغسل فمه بقليل من مذاب ملح النطرون قبل أن يطأ المكان المقدس، وذلك حتى لا تخرج من فمه رائحة كريهة.

وهناك ضروب أخرى من الطهارة المادية ذكرها لنا "هيردوت" فى الفصل (37)، مثل:
حلق الشعر

إذ يذكر: "وكل يومين يحلق الكهنة أجسامهم بأكملها حتى لا يتوالد بها القمل أو غيره من الحشرات أثناء قيامهم بخدمة الإله".


الختان

"وهم يمارسون الختان حباً فى النظافة، لأنهم يفضلون النظافة على حسن المنظر". بينما لم يكن يلزم على عامة الشعب ذلك.

- عدم الاتصال الجنسى أيام الاعتكاف فى المعبد

حيث يذكر "هيردوت" فى الفصل (64): "فقد كان المصريون أول من راعى السُّنة التى تحرِّم مجامعة النساء فى المعابد، كما تحرِّم دخولها بعد الجماع دون اغتسال. وسائر الشعوب -فيما عدا المصريين واليونانيين- يجامعون النساء فى المعابد، ويدخلونها بعد الجماع دون اغتسال، إذ يعتقدون أن شأن الإنسان فى ذلك شأن سائر الحيوان".

زى الكهنة

ولم يكن الكهنة يرتدون غير ثياب من الكتان، وكانوا يحرمون على أنفسهم بعض الأقمشة كالصوف أو الجلد الذى كان يؤخذ من كائنات حية تصيب لابسها بالقذارة. وقد ذكر "هيردوت" فى ذلك: "ويلبسون ثياباً من الكتان يهتمون دائماً أن تكون حديثة الغسيل". ويذكر أيضاً: "ويلبس الكهنة ثياباً من الكتان فقط، وأحذية من البردى، وغير ذلك من الملابس والأحذية محظورٌ عليهم لبسهـا إلا قليلاً". وقد كان زى الكهان على مر العصور ثابتاً، ولم يكن يميز هذا الزى إلا بعض التفاصيل التى تحدد وظيفة كل كاهن، كالوشاح الذى يتشح به الكاهن المرتل. فأما الكهنة المتخصصون، وكذلك كبار الكهنة، فكان من حقهم أن يخالفوا ذلك.

فالكاهن المسمى (sm) أو (stm)، كان يرتدى جلد الفهد، على حين كان كهنة "عين شمس" يحملون رداء جلد فهد مزخرف بحليات على هيئة نجوم. كما كان كبير كهنة "منف" يحمل قلادة ذات شكل خاص، ويزين رأسه بذؤابة مضفورة تنحدر على السالفة. وعلى أية حال، فإن هذا الزى كان يزيدهم وقاراً وهيبة. وقد كانت النعال المصنوعة من البردى من أزياء الكهنة الذين عاشوا وسط شعب كان يمشى بمحض اختياره حافى القدمين، كما أن النصوص المصرية قد وضعت النعال البيضاء ضمن لباس الكهنة. كما كان لزاماً على من يلتحق بالكهنوت أن يتعلم العلوم اللاهوتية للقيام بواجباته، وكان عليه أن يقضى فترة فى التدريب على طقوس العبادة الصارمة. وهذا إلى جانب ضرورة توافر شروط ثلاثة أساسية أقرها المؤرخون لكى يحق للفرد أن يلتحق بسلك الكهنوت، وهى: الوراثة، والترشيح، وشراء الوظائف.


طقسة التطهير الملكى

تتضح تلك الطقسة من خلال صب الماء المقدس أعلى رأس الملك. وقد ارتبطت هذه الطقسة بكلمات تعبر عن معنى الحياة. ومن تلك المناظر التى توضح هذه الطقسة منظر للملك "تحتمس الثالث" واقفاً، بينما ينصب على رأسه الماء، والذى يوحى بالحياة، ويقوم بصبها معبود واقف على أحد جانبيه. وفى بعض النصوص التى حفظت لنا من عصر الدولة الحديثة، والتى توضح ما كان يتلوه الأرباب من كلمات: "كن طاهراً مع قرينك (كائِكَ)، الشرف العظيم لملك مصر العليا والسفلى، لك الحياة".


طقسة التطهيرمن مقبرة سن نجم. بدير المدينة

ويعتقد "جاردنر" أن هذه الطقسة كانت جزءاً من الخدمة اليومية الخاصة بالمعبد. ولقد أعطى كل من "أوتو" (Otto) و"كيس" (Kees) تفسيراً لهذه الطقسة بناء على ما جاء فى "نصوص الأهرام" (Pyr. 28; 27-29; 36; 53)، وتذكر إحدى هذه الفقرات: (إن البخور هو بخور "حورس"، وبخور "ست"، وبخور "ﭽحوتى"، وبخور "دون عنوى"؟). وبمقارنة الفقرة بأحد نصوص الأسرة الثامنة عشرة نجد أن هذه المعبودات قد ظهرت مرتبطة بالطقسة. وكدلالة على اختصاصهم بها، يذكر نص -على أحد تماثيل المتوفى- فى فتح الفم: (طهارتك هى طهارة "حـور"، طهارتك هى طهارة "سـت"، طهارتك هى طهارة "ﭽحـوتى"، طهارتك هى طهارة "حـور"، "دون عنـوى")
ولم يكن الكهنة يرتدون غير ثياب من الكتان، وكانوا يحرمون على أنفسهم بعض الأقمشة كالصوف أو الجلد الذى كان يؤخذ من كائنات حية تصيب لابسها بالقذارة. وقد ذكر "هيردوت" فى ذلك: "ويلبسون ثياباً من الكتان يهتمون دائماً أن تكون حديثة الغسيل". ويذكر أيضاً: "ويلبس الكهنة ثياباً من الكتان فقط، وأحذية من البردى، وغير ذلك من الملابس والأحذية محظورٌ عليهم لبسهـا إلا قليلاً".


جزء من بردية تصور كتاب الموتى ويتضح بها الكهنة وزيهم وهم يؤدون طقسه فتح الفم


وقد كان زى الكهان على مر العصور ثابتاً، ولم يكن يميز هذا الزى إلا بعض التفاصيل التى تحدد وظيفة كل كاهن، كالوشاح الذى يتشح به الكاهن المرتل. فأما الكهنة المتخصصون، وكذلك كبار الكهنة، فكان من حقهم أن يخالفوا ذلك.
فالكاهن المسمى (sm) أو (stm)، كان يرتدى جلد الفهد، على حين كان كهنة "عين شمس" يحملون رداء جلد فهد مزخرف بحليات على هيئة نجوم. كما كان كبير كهنة "منف" يحمل قلادة ذات شكل خاص، ويزين رأسه بذؤابة مضفورة تنحدر على السالفة. وعلى أية حال، فإن هذا الزى كان يزيدهم وقاراً وهيبة. وقد كانت النعال المصنوعة من البردى من أزياء الكهنة الذين عاشوا وسط شعب كان يمشى بمحض اختياره حافى القدمين، كما أن النصوص المصرية قد وضعت النعال البيضاء ضمن لباس الكهنة .
كما كان لزاماً على من يلتحق بالكهنوت أن يتعلم العلوم اللاهوتية للقيام بواجباته، وكان عليه أن يقضى فترة فى التدريب على طقوس العبادة الصارمة. وهذا إلى جانب ضرورة توافر شروط ثلاثة أساسية أقرها المؤرخون لكى يحق للفرد أن يلتحق بسلك الكهنوت، وهى: الوراثة، والترشيح، وشراء الوظائف.

وراثة الكهنوتية


حتمت الظروف الطبيعية أن يكون شرف إدارة المعبد -منذ أقدم العصور- من حق الأسرات الكبيرة القديمة. وكان المنصب الدينى فى الدولة الوسطى كذلك وراثياً فى عائلات معينة. وما دام الكاهن قد ورث وظيفته عن أبيه الذى كان كاهناً فى المعبد، فإنه يستطيع عمل التقدمات، وأداء كل الاحتفالات.

وقد ذكر "هيردوت" فى الفصل (137) أنه: "عندما يموت أحدهم، يتم تنصيب ابنه محله". وقد كانت من أعز الأمنيات عند المصريين القدماء أن يروا الابن وهو يمتهن مهنة أبيه؛ ولهذا تذكر النصوص عدة أمثلة لأسرات حقيقية من الكهنة.
وإن بدا أن حقوق الوراثة لم تكن قاعدة عامة، ولكن بمثابة تقليد متبع. وقد عثر على وصايا من الدولة القديمة يطلب فيها الكاهن أن تؤول وظيفته إلى وريث يحدده بنفسه. وكان الرجل يزعم أحقيته فى وظيفة كهانة معبد بقوله أنه كان ابناً لكاهن هذا المعبود.
وهناك فى العصر المتأخر تعرض لنا سلسلة أنساب أصحابها، ويذكر بعضهم أن أسلافه -حتى الجيل السابع عشر- كانوا من كهنة معبود بعينه، وذلك مثلما حدث فى بداية الأسرة الثانية والعشرين، حيث أن عائلة "شاشنق" -والتى يُعتقد أنها أسرة ليبية- كان أفرادها يندمجون بين كهنة رب "إهناسيا"، وهو المعبود "حرى شا.ف".
ولكن هناك أمراً لا يمكن إغفاله فى هذا الصدد، وهو أن فضل الملك فى هذا الأمر كان لابد وأن يكون واضحاً؛ وذلك لأنه بهذا الفضل يستطيع الابن أن يحل محل أبيه. وهكذا عندما أراد الملك "بسماتيك الأول" (الأسرة السادسة والعشرين) أن يكافئ "بيتزيس" بسبب خدمته الجليلة، فقد منحه لقب (كاهن فى كل المعابد)، والذى كان يحمله والده حين كان يشغل هذه الوظيفة، مع أن "بيتزيس" لم يكن حتى ذلك الوقت قد مارس الكهانة.



الترشيح والتزكية
حينما كانت الوراثة تتعثر أو تُلغى، وحين يكون هناك مكان شاغر، كان كهان المعبد يعقدون اجتماعاً يتفقون فيه على اختيار من أسعده الحظ بالانضمام إلى زمرة طوائفهم المقدسة. أى أن المرء فى هذه الحالة كان يصبح كاهناً بالترشيح ثم التزكية والمبايعة من جانب الكهنة الآخرين، ودون أن يكون من أسرة الكهنة بالضرورة . وربما كان الكهنة يلجأون فى ذلك إلى وحى المعبود.



التعين بمرسوم ملكى

من المعروف أن الملك كان هو الذى يعين سائر الكهان، وأن اختيار الكهنة كان من حق أو سلطة الملك وحده . غير أن واقع الأمر أن ذلك كان مقصوراً على تعيين كبار رجال الدين وكبار الكهنة فى المعابد الكبرى. وهذا فضلاً عن ترقية من يُعجب الملك بنشاطه وكفاءته من الكهان، وذلك كما حدث بالنسبة للكاهن "نب وى" من أيام "تحتمس الثالث"، والذى رُقى إلى رتبة (رئيس كهنة "أوزير")، ثم أصبح بعد ذلك -بسبب حظوته عند الفرعون- المتحدثَ الشخصى باسم الملك فى معبد "أحمس الأول" فى "أبيدوس". أما تعيين صغار الكهنة فى المناصب الأقل شأناً فكان متروكاً للوزير فى الأغلب.
ونلاحظ أن الملك "توت عنخ آمون" -عندما أراد أن يعيد تنظيم كهانة "آمون" بعد اضطهادهم فى فترة "العمارنة"- قد اختار أعضاءها الجدد من بين طبقة النبلاء التى لم تزل -فيما يرى- النخبة الممتازة فى البلاد. وهكذا جمع كهنة من أبناء أعيان مدينتهم، وكل منهم ابن رجل بارز معروف الاسم .
وهذا فضلاً عن حق الملك فى أن ينقل أى كاهن من معبد إلى آخر، مثلما حدث على أيام الملك "رعمسيس الثانى" عندما عين كبير كهنة "آمون" فى "طيبة" من بين رجال معبد "أبيدوس". وقد جاء فى قرار التعيين:
هـا أنت من الآن كبير كهان "آمـون"، وسائر كنوزه وخزائن غلاله تحت يمينك، أنت رئيس معبده، وكل خدمه تحت سلطانك. فأما معبد "حتحـور" فى "دنـدرة" فسيئول إلى سلطان ابنـك، فضلاً عن وظائف آبائـك، والمراكـز الذى كنت تشغلها أنت .

ومن ذلك نلاحظ بصفة عامة أن النفوذ الملكى لم يتدخل فى تعيين رجال الدين إلا فى حالتين محدودتين:
1- عندما يود الملك أن يكافئ أحد الكهنة أو أحد موظفيه، مثل حالة "نب وى" فى عهد "تحتمس الثالث"، أو "بيتزيس" فى عهد "بسماتيك الثانى".
2- وعندما كان الملك يود -مدفوعاً بأغراض سياسية داخلية- أن يغير ميزان القوى، وهذا ما حدث فى الدولة الحديثة خاصة نتيجة لتزايد نفوذ كهنة "آمون" فى ذلك الوقت؛ ولهذا كان يختار رئيس كهنة "طيبة" من خارج إطار كهنة "آمون" الأقوياء، ومثال ذلك ما حدث فى عهد "رعمسيس الثانى" .

وفيما عدا ذلك هناك قواعد يجب اتباعها، ولا يمكن تجاوزها. وكان الانخراط فى سلك الكهنوت -مهما يكن من أمر- يخضع لإشراف حازم على الدوام.


شـراء الوظائف
كان يكفى فى بعض الأحيان أن يكون المال كفيلاً بشراء وظيفة الكاهن ليستمتع فيها بدون عناء. ونجد إشارات إلى ذلك فى العصور المتأخرة، فقد كان يتم أحياناً بعد وفاة أحد الكهنة أن يُعرض منصبه للبيع بما يحقق موارد إضافية للخزانة. وقد شاعت هذه الطريقة وأصبحت هى الطريقة المعتادة خلال الحكم الرومانى فى مصر .

فئات وألقاب الكهنة


ويلاحظ أن أكبر المعابد فى مصر كانت توجد فى "طيبة"، و"هليوبوليس"، و"منف"، العواصم الدينية والسياسية للدولة عبر العصور المصرية القديمة، ومقر عبادة المعبودات الرئيسية الرسمية للدولة. وكانت "طيبة" بالطبع متفوقة فى الدولة الحديثة.

وقد كان هناك ارتباط بين تزايد أهمية المعبد ومعبوده، وبين نفوذ الكهنة فيه؛ حيث أنه كلما ارتفعت أهمية المعبد، كلما ازداد معه أهمية ونفوذ الكهنة الذين يخدمون فى هذا المعبد. وكان فى هذه المعابد الكبيرة أعداد كبيرة من الكهنة، أما فيما عدا ذلك فقد شُغلت غالبية المعابد الأخرى بعدد متوسط من الكهنة. فمثلاً نجد فى الدولة الوسطى معبد "أنوبيس" عند مدخل الفيوم (قرب هرم "سنوسرت الثانى" باللاهون)، وقد كان عدد موظفى إدارة وكهنة هذا المعبد حوالى خمسين شخصاً.

وعلى أية حال، فقد كان النظام الإدارى فى المعبد يقتضى تنظيماً كهنوتياً معينأً، أى أنه كانت هناك طبقات كهنة عليا، وطبقات دنيا، وطبقات كهنة مساعدين، إلا أنه توجد صعوبة فى التفرقة الدقيقة بين كل هذه الطبقات، حيث:
1- أن هذه الطبقات كانت دائماً بين مد وجزر؛ فمن الطبقات الكهنوتية ما كانت تعتبر أحياناً من الطبقات العليا، وأحياناً أخرى من الطبقات الدنيا، ومثال على ذلك طبقة الكهنة المطهرين (wab) الذين كان لهم شأن كبير فى الدولة القديمة، أما بعد ذلك فقد أصبحوا فى أسفل السلم الكهنوتى.
2- أن ما وصل إلينا ليس بالقدر الكافى، لأن الطبقات المختلفة لرجال الدين لا يمكن ربط بعضها ببعض بأسلوب قياسى رتيب .

ومن بين الألقاب الكهنوتية


لقب "كاهن المعبود" (hm nTr)
وهو من أكثر طبقات الكهنة شيوعاً وانتشاراً ، ويترجم : (كاهن؛ كاهن أو خادم الإله).
وقد كان الكاهن الأكبر فى أى معبد يحمل اللقب (Hm nTr)، بخلاف ما يطلق عليه من ألقاب كهنوتية أخرى



لقب "أبو المعبود" (it-nTr)
وهو لقب متدوال، ويعتبر من الألقاب الغامضة، وربما يكون المراد منه تخصيص أرفع طبقات الكهنوت.



لقب "الكاهن المطهر" (wab)
ويُكتب بعدة صور وأشكال كتابية، منها:
؛
أو اختصاراً بالعلامة الأيديوجرامية المعنوية:
.

ومهما يكن من أمر كتابة هذا المسمى، فإن الثابت فيه هو ذلك الإناء الذى ينسكب منه الماء إشارةً إلى الطهارة التى يجب أن تكون عليها هذه الطبقة من الكهان.

والاسم يعنى (المطهَّر، أو: المتطهر)، حيث أن هؤلاء يقتربون من القارب المقدس، ومن تمثال المعبود. وقد كان من اختصاص هذا الكاهن فى الدولة القديمة التحقق من زكاة حيوانات التضحية المذبوحة، إذ كان ينبغى ألا توضع قطع اللحم على موائد القرابين إلا بعد أن يشم هذا الكاهن دم الذبيحة، ويعلن أنها زكية ونظيفة.

وقد كان على رأس هذه الطائفة فى الدولة القديمة (رئيس الكهنة)، وكان لهم إدارة منفصلة تسمى (wabt)


أى بيت التطهير)، وهو المكان الذى كان يعتبر مزدوجاً، حيث كان يمثل الوجهين القبلى والبحرى. وكل فرع منهما له مدير يسمى: (Imy-r wabt).

وقد كان هؤلاء الكهنة فى الأسرة الرابعة يُنتخبون من بين رجال القصر وعظماء رجال الدين. وفى الأسرة الخامسة كان بعضهم ينتخب من كبار الموظفين . أما بعد ذلك -فى الدولة القديمة أيضاً- فقد اعتبر كهنة الـ (wab) من الطبقات الأقل شأناً فى التدرج الكهنوتى.


الكاهن المرتل (Xry- Hb)






جزء من بردية كتاب الموتى تصور الكهنة يقومون بالطقوس الدينية "طقسة فتح الفم".المتحف البريطاني

وهناك صعوبة فى التفرقة الدقيقة بين هذه الطبقات، خاصة مع اختلاف المكانة والأدوار المنوطة لكل طبقة من عصر إلى آخر وفقاً لعدد من العوامل الدينية والسياسية والحضارية. وعلى ذلك يمكننا أن نرسم خطوطاً عريضة لطبقات الكهنة. وكانت الخدمة الدينية تؤدى للمعبود بواسطة خادمه، وكان "الكاهن المرتل"
المسمى (غِرى حبت) هو المسئول عن ترتيل التعاويذ والتلاوات.


وهو الذى يرتل الدعوات والأناشيد فى الأعياد، وكانت أعمال هذا الكاهن تنحصر فى تنظيم الاحتفالات الشعائرية، وترتيل الأناشيد الخاصة بالعبادة. ونشاهد هذه الطائفة من الكهنة فى المناظر غالباً وهم يقرءون من ورق البردى الصيغَ المناسبة لكل حفل دينى.
وكان يرأسهم رئيس يدعى (رئيس الكهان المرتلين)، ولما كانت المعتقدات الدينية المصرية تعتقد بوجود قوة سحرية مخبوءة فى هذه النصوص الدينية القديمة، فإن الناس كانوا يعتقدون -على الأقل فى الدولة الحديثة - أن "الكاهن المرتل" كان ساحراً، وإن كانت هذه القوى تُعزى بصفة خاصة إلى (الكاهن المرتل الأول للملك).

وعلى أية حال، فهذه الألقاب هى الأكثر وروداً منذ أقدم العصور وحتى أحدثها؛ بيد أنه من الخطأ الاعتقاد بأنها كانت ذات معنى واحد على مر العصور. فتبعاً لتغير رجال الكهنوت كانت الفكرة التى ترتبط بهذه المسميات تتغير وتتبدل أيضاً. فالكاهن فى عصر "رعمسيس الثانى" كان يشغل منصباً مغايراً للمركز الذى كان يشغله فى عهد الملك "خوفـو".

امتيازات الكهنة


ويذهب "هيردوت" أيضاً إلى أن الكهنة: (يتمتعون بامتيازات ليست بالقليلة، فهم لا يستهلكون، ولا ينفقون شيئاً من ثرواتهم الخاصة، بل يُصنع لهم خبز مقدس، ويصيب كل واحد منهم يومياً كمية كبيرة من لحم البقر والأوز، وتقدم لهم خمر مصنوعة من العنب. وأكل السمك غير مباح لهم، ولا يبذر المصريون الفول فى بلادهم أبداً، ولا يذوقون ما قد ينبت منه فجاً أو مطبوخاً، أما الكهنة فلا يطيقون حتى رؤيته، ويعتقدون أنه بقل نجس".

ولكن يبدو أن هناك مبالغة فى المحرمات على الكهنة من جانب "هيردوت" أو الرحَّالة بعد ذلك، والذين لم يشاركوا "هيردوت" فى بعض ما قال. فالفول مثلاً كان معروفاً فى مصر، والدليل على ذلك أن وُجدت حبوب الفول فى قبور بعض المصريين، مما يشير إلى أن زراعته لم تكن محرمة كما يزعم "هيردوت". وأما السمك فقد اختلفت الآراء حول تقديسه فى مصر، حيث تشير الوثائق التاريخية الخاصة بأنصبة العمال من الغذاء إلى مقدار ما كان يُصرف لهم من السمك . وقد اتخذت بعض الربات هيئة السمكة، مثل "حات محيت".
وعلى أية حال، فقد تمتع الكهنة بامتيازات خاصة لم تتوافر لغيرهم من الموظفين. ومن ذلك يتضح أن الكهنة كانوا يتوخون البساطة فى كافة مظاهر الحياة من طعام ولباس، وكانوا يميلون إلى القناعة وخشونة العيش، والعدل والزهد. وبذلك لم تكن الحياة الكهنوتية إذاً مجرد خدمة مادية بسيطة تلائم أى حالة ذهنية، بل كانت مقدرة ذهنية مثالية تتركز فى أن يهب المرء لنفسه حرارة تجاه المعبود، وفى الرعاية الدقيقة للاحتفالات والخدمات اليومية. وكانت الحياة والسعادة والأمن فى يد الرب المعبود، والذى كان يهبها لمن يشاء من أتباعه المخلصين.
ومن نصوص معبد "إدفو" ما يدل على ذلك: "أيها المتنبئون، والكهان المطهرون، وأمناء السر، ويا رعاة الشعائر فى المعبد، احذروا أن تأتوا عملاً معيباً، ولا تدخلوا المعبد غير مطهرين، ولا تقولوا باطلاً فى حرمته، ولا تكونوا جشعين، ولا تتفوهوا بكذب، ولا تتناولوا أقداح نبيذ".

وهناك وثيقة أخرى بنفس المعبد تتحدث وتبرر مكاسب الحياة الروحية، والهناء الذى ينعم به من يخدم معبوده بقلب صافٍ وروح وثابة: "طوبى لمن يحتفى بجلالتك أيها الرب العظيم، ولا يتوقف عن خدمة معبدك! ... ادخلوا بسلام، وانطلقوا سعداء، ذلك لأن السعادة فى يده، والسعادة فى قبضته".




الاختيار والتنظيم

وكما رأينا سلفاً، فقد فرضت شروط معينة من الطهارة المادية كان يجب أن يتمتع بها الكهنة. وربما أيضاً أنه كان لزاماً على الكاهن أن يتعلم العلوم اللاهوتية للقيام بواجباته الدينية، ويبدو مما تقدم أن البساطة النسبية لما ينبغى للكهنة معرفته من فرائض الدين كانت تفتح السبيل أمام الجماهير الغفيرة من الراغبين فى الوظائف الدينية.
وكانت حياة الكهنوت تقتضى عليهم شروطاً معينة، ولكن تهيئ لهم مزايا لا يستهان بها، وخاصة فى بلد كان الخوف من الغد المجهول يسيطر على جمهرة الشعب منه، علاوة على غلبة طابع التدين، وتوقير رجال الدين، الأمور الذى اتسم بها المصريون عبر مختلف العصور .


الانخراط فى سلك الكهنوت

ولم يكن الانخراط فى سلك الكهنوت يتطلب ثقافة دينية معينة، وإنما كان على الكاهن أن يقضى فترة من التدريب على طقوس العبادة الصارمة. ومن ثم فقد كانت ممارسة العمل والمران كفيلين بالوصول بالرجل العادى إلى المستوى المطلوب. ومع ذلك فإنه يبدو مستحيلاً أن نصل إلى قاعدة عامة لكل الكهنوت المصرى فى كل العصور فيما يتصل بالشروط التى يفترض توفرها للدخول فى نطاق الكهان، وإن كان هناك بعض السبل التى اتفق عليها كما سبق الذكر، وهى حقوق الوراثة، والترشيح، وشراء الوظائف، أو التعيين بمرسوم ملكى .

طبقات الكهنة



كان الكهنوت (الخاص بكل معبود أو معبد) يترأسه كاهـنٌ يوصف بأنه: (الكاهن الأول، أو: الكاهن الأكبر)، وأحياناً ما كان يحمل لقباً خاصاً يشير إلى وظيفته الفعلية فى خدمة المعبود.

طبقة الكهنة العظام

وهم الذين كان يُسمح لهم بحضور كل الشعائر التى كانت تقام للمعبود فى قدس الأقداس بالمعبد. وهم أرقى درجات الكهانة، ولهذا يطلق عليهم (كبارالكهنة). وليس هناك اصطلاح خاص فى اللغة المصرية للتعريف بهذه الوظيفة. وفى المعابد الكبرى لهم ألقاب ترجع إلى أصل بالغ القدم، أو لهم ألقاب خاصة تشير إلى وظائفهم الفعلية فى خدمة المعبود الذى كانوا ينتمون إليه، والتى تشير إلى عبادة المعبود نفسه.

ومن هنا فإن الكاهن الأكبر فى "هليوبوليس" (عين شمس) كان يسمى:
(wr-mAw)،

أى: (كبير الرَّائين)، أو: (كبير الناظرين). وقد كان من قبل يسمى: (مَن يستطيع رؤية العظيم، أى المعبود)، وهو اللقب الذى تم تحويره بعد أن أعادت الأجيال التالية تفسيره إلى: (أعظم الرَّائين يستجلى طلعةَ المعبود "رع"). كما كانت تطلق عليه ألقاب إضافية أخرى، مثل: (الذى يرى سرَّ السماء)، و: (رئيس أسرار السماء)، كما لو كان كبيراً للفلكيين.

وكان كبير كهنة المعبود "بتـاح" فى "منف" يحمل اللقب
(wr-xrp(w)-Hm(w))

بمعنى: (رئيس الصناع)، أو: (الزعيم الأول للفنانين)، كما لو كان المعبد مصنعاً للمعبود.
وربما كان كبير كهنة "بتاح" يشغل فى الواقع وظيفة (الرئيس الأعلى للفنانين) فى مدلولها المعنوى، فقد كان فى الدولة القديمة يعتبر رئيساً فعلياً لكل أعمال النحاتين، والأعمال الأخرى المماثلة.

وكان يشغل هذه الوظيفة فى الدولة القديمة -فى وقت ما- رجلان فى نفس الوقت، ربما لتوزَّع عليهما أعمال هذه الوظيفة التى كان نصفها دينياً، ونصفها الآخر دنيوياً.
وقد كان الكاهن الأكبر للمعبود "ﭽحوتى" فى "الأشمونين" يحمل اللقب
(wr-diw)

أى: (كبير الخمسة)، ويُقصد به: (كبير الخمسة فى بيت أو معبد "ﭽحوتى").

وقد كان رئيس كهنة "آمون" فى "طيبة" يحمل لقب
(tpy Hm-nTr n Imn)
بمعنى: (الكاهن الأعلى لآمون)، والذى كان له مكانة متميزة ودور بارز خلال الدولة الحديثة. وكان يحمل نفس اللقب أو لقب (الكاهن الأول) رئيسُ كهنة كل من المعبودات "مين"، و"إنحور"، و"حتحور".

وقد كان الكاهن الأكبر هو الذى يمثل الملك فى المعبد، وكان يقوم فى غياب الملك بالشعائر الدينية بالإضافة إلى الوظائف الإدارية. وقد كان على رأس كهنة "آمون" -بعد الكاهن الأكبر لآمون- كهانٌ آخرون يُطلق عليهم (الكاهن الثانى، والثالث، والرابع)، وكانوا يعملون كمساعدين للكاهن الأكبر فى المهام الروحية والإدارية.

وقد كان أول ظهور للقب (الكاهن الثانى لآمون) فى عصر الملك "أحمس الأول" فى بداية الأسرة الثامنة عشرة ؛ وكان يحل محل الكاهن الأول الذى كانت مهامه الدينية والسياسية تضطره -فى أحيان كثيرة- إلى الغياب عن معبد "الكرنك"؛ ولكن كان كثيراً ما يختص بأملاك المعبد، وكان يعاونه "الكاهن الثالث والرابع" فى تصريف الأمور فى أملاك المعبود الكبير.



الطبقات الأخرى للكهنة

وهناك طبقات أخرى كانت أقل شأناً، وكان كهنة هذه الطبقات يعاونون الكهنة العظام الذين يكرسون كل حياتهم فقط للمعبود فى أداء الخدمات الكثيرة الواجبة نحو المعبودات. وكانت هذه الطبقات تقسَّم إلى أربع مجموعات أو فرق، ثم ازداد عددهم إلى خمس فرق اعتباراً من عام 238ق.م.

وقد كانت كل فرقة تخدم فى المعبد ثلاث فترات فى السنة، كل فترة مدتها شهر واحد، أى أنهم كانوا يخدمون ثلاثة أشهر فى السنة (ليست متصلة).
وكانت التسمية المصرية القديمة للفرقة (sA)
،
وفى العصر اليونانى كانت التسمية " فَيلى" (phylé)، أى: (مجموعة، فرقة). أما فى غير أوقات النوبات (النوبتجيات)، فكانوا يعملون بالورش داخل الحرم الإلهى حسب مهنهم، أو يعملون بالزراعة فى مزارع المعبود، وأحياناً ما كانوا يكلفون بمهام خارج المعبد.



ويمكن تقسيم هؤلاء الطبقات إلى ثلاث طوائف:



- الكهنة المرتلون.


- الكهنة المطهرون.



- الكهنة رجال الأعمال الشاقة
.
وكان يطلق عليهم (Imy-st-a)، ومعلوماتنا عنهم ضئيلة، والظاهر أنهم كانوا يلحقون بين الكهنة، ويقومون بدور شاق، ولا نعرف لقب رئيسهم.

وهناك جماعة من الدارسين والمثقفين فى (بيت الحياة) الذى كان يُلحق بالمعابد، ويسمى:
"بر عنخ" (pr-anx)
،
أى: (بيت الحياة). وكان هؤلاء يعنون بالكتب الدينية اللازمة للعبادة وغيرها من ألوان المعرفة.

وقد كان المفروض أن يكون لكل معبد ذى مكانة ملحوظة (بيتُ حياةٍ) خاص به، وكأنها معاهد علمية تلحق بالمعابد، وكأن المتخرجين منها لم يكونوا كهنةً بالمعنى المعروف، فهم أقرب للعلم منهم إلى الدين، وألقابهم الخاصة بالكتاب أكثر من التصاقهم بألقاب الكهنة.

وهناك كاهن يسمى "سـم" (sm)
وهذه الطائفة من الكهنة كانت توجد بين كهنوت أرباب معينين فقط، ولم يكونوا موجودين ضمن كهنة "آمون"، ولكن كانوا يلعبون دوراً هاماً بين كهنة "هليوبوليس" وكهنة "منف". وكان من أهم واجبات هذه الطائفة القيـام بطقسة تسـمى (wp-r)،
وتعنى (فتح الفم)، ويُقصد بها فتح فم المتوفى، وتحفيز أو حث أعضاء جسده حتى يحيا من جديد فى العالم الآخر، ويتقبل قرابينه بنفسه.

وهناك (كهنة الساعة) وجماعة الفلكيين، وهم الذين يحددون أيام الأعياد والمآسى، وما قد يشير اليوم إليه من نحوس أو سعود. ولا نزاع فى أنهم كانوا يكلفون بكل الأعمال المادية الخاصة بالمعبد، وأنهم كانوا يقومون بأعمالهم فى فترات منظمة، ولمدة معلومة قد لا تزيد فى الأصل عن ساعة إذا حكمنا على ذلك من اسمهم.

وهذا بالإضافة إلى أنه -بجانب الكهنة- كان يوجد فى المعابد طائفة من الإداريين، وأعداد هائلة من المساعدين من حراس المبانى المقدسة، وعمال الصناعة، والقصَّابين، والجنَّازين وغيرهم. وذلك فضلاً عن الفنانين، والمهندسين، والنقاشين، والرسامين، والنحاتين. ولا ننسى جماعة المغنِّين والمغنيات، والموسيقيين والموسيقيات، والذين كان لهم دور فى الحياة الدينية فى المعبد.

وبهذا فقد شغل الكهنة جماعة منغلقة لها نظام رئاسى متدرج وكأنه هرم متدرج من الكهنة. وقد احتلوا مرتبة هامة فى بنيان المجتمع المصرى. وبصرف النظر عن التفاوت الذى كان قائماً بين رأس هذا الهرم الكهنوتى وبين القاع العريض من الكهنة الصغار الذين يقومون بالمهام الثانوية فى المعبد، فإن الكهنة عموماً كوَّنوا فئة اجتماعية متميزة بالمقارنة لمجموع الفلاحين وغيرهم من الموظفين، فقد كانت مواردهم أكبر، وكانوا يعتبرون من صفوة الأهالى. النشاط الكهنوتى



كما ذكر من قبل، لم يكن الكهنة أصحاب رسالات إلهية، أو من أصل إلهى، وإنما كانوا أشخاصاً عاديين مأذونين من الملك بأن يحلوا محله فى أداء بعض الطقوس الدينيية اللازمة للصالح العام. وهذه الطقوس اليومية كانت تتم يومياً على اعتبار أن المعبود -من وجهة نظر المصريين القدماء- يشبه البشر فى احتياجاته المادية، وكان واجباً على الكهنة تأدية هذه الاحتياجات المادية للمعبود بصفة دورية ويومية.

واجبات الكهنة فى الخدمة الدينية فى المعابد

تسجل نقوش ومناظر جدران المعابد بالنص والصورة إلى جانب ما أبقى عليه الزمن من نصوص دونت على البردى طقوس التقدمة وشعائر الخدمة اليومية فى المعبد.

وتنقسم شعائر الخدمة اليومية فى المعبد إلى نوعين؛ النوع الأول يتمثل فى الخدمة التى تؤدى فى المعبد نفسه، وتقوم بها طوائف من الكهنة والخدم والمساعدين فى شتى المجالات داخل حرم المعبد نفسه؛ والنوع الثانى وهو الخدمة (أو العبادة) اليومية لتمثال المعبود فى قدس أقداس المعبد، وكان الذى يقوم بها هو الملك، أو فى الغالب الكاهن الذى ينوب عنه، ولم يكن يسمح لسواهما بدخول قدس الأقداس .

ولقد حُفظت مظاهر الخدمة اليومية فى المصادر المصرية، ونذكر منها سجلين رئيسين، أحدهما يتكون من سلسلة من الرسوم والنقوش المصاحبة فى عدة هياكل بمعبد "أوزير" فى "أبيدوس"؛ والثانى يؤرخ بالأسرة الثامنة والعشرين، ويتعلق بالمعبود "آمون"، ويوجد فى بردية هيراطيقية بمتحف "برلين". وكلا الفقرتين متشابهتان جوهرياً، بحيث يكوِّنا معاً الصورة الخاصة بالاحتفال الدينى. ويعتبر الملك فى الأصل هو صاحب الحق الأول والوحيد فى إقامة الشعائر للمعبود؛ وذلك لأن علاقة الأرباب بالملك تختلف عن علاقة الأرباب بأى فرد من الرعية؛ فهو بوصفه ملكاً على مصر كان ابناً وخليفة للمعبودات، ولذا كان عليه أن يقوم بتقديم القرابين وإقامة الشعائر لها، ومن ثم كان هو الكاهن الأول لكل معبود فى البلاد .

ونظراً لاستحالة قيام الملك بدوره فى إقامة الطقوس والشعائر لكافة الأرباب فى كل المعابد فى آن واحد، فضلاً عن انشغال الملك بالأمور السياسية المتعلقة بإدارة وتسيير شئون البلاد، فقد كان ينييب عنه كهنة مختصين بذلك، كل منهم فى معبده، ليقوموا بأداء هذه الطقوس والشعائر بدلاً منه، وذلك باسم الملك.




الغرض من إقامة الطقوس الدينية للمعبود
لم يكن المعبود المصرى قوة معنوية تُعبد فى أى مكان، وإنما كان فى نظر المصريين القدماء كائناً ذا وجود مادى، وله احتياجات كاحتياجات البشر؛ إذ يطلب الغذاء والكساء والزينة. ومن هنا كان العاملون فى خدمته من رجال الكهنوت أشبه بمن يحيطون بعظيم فى قصره، ويتسمون مثلهم بخدمته.
وكان الكهنة يضمنون خلود نظام الكون وفقاً لما استقر عليه منذ اليوم الأول للخليقة، وذلك شرط قيامهم بالشعائر المستحقة نحو المعبود. فبدون إتمام هذه الشعائر اليومية المسئول عنها أولئك الكهنة، يمكن أن يعود الكون إلى حالة الفوضى الأولى .

والحقيقة أن حفظ التوازن الكونى كان أولاً مهمة الملك، والذى كان لابد عليه عمل "الماعت" (mAat) فى مصر، ولهذا كان يفرض القوانين ويشرعها من ناحية، وينيب عنه الكهنة فى أداء النواحى الدينية. أى أن الدور الرئيسى للكاهن كان يتلخص فى الوساطة لحماية النظام الكونى.

واجبات الكهنة


القيام بالشعائر اليومية للمعبود
كان الكاهن هو المنفرد بحق الاقتراب من المعبود فى قدس الأقداس بالمعبد، حيث يقوم بأداء ثلاث شعائر فى اليوم، وهى: شعائر الصباح، والظهيرة، والمساء.



خدمة الصباح

عادة ما كان الكهنة والعاملون فى المعبد يستيقظون منذ الفجر، وذلك بناء على إشارة الكاهن الذى يراقب النجوم لتحديد الوقت المناسب لإيقاظ هذه المملكة أو المؤسسة المقدسة.
ومع شروق الشمس يبدأ النشاط فى أنحاء المعبد، فالمخازن والمخابز والمطابخ تصبح كلها فى حركة دائبة، وذلك تحت إدارة الكتبة الذين يعطون الأوامر والطلبات للتقدمة اليومية لتطهير أجسامهم، ثم يدخلون المعبد، ويقصدون أولاً إلى الممرات المحيطة بقدس الأقداس، حيث يؤدى كل منهم واجباته. فمنهم من يغير الماء فى الأحواض، ومنهم من يطلق البخور، ومنهم من يقوم بتطهير أنحاء المعبد.
وأخيراً يدخل حاملو القرابين ومعهم مرتلو الأناشيد، فيتقدمون نحو صالة القرابين، حيث يضعون الطعام والشراب على المائدة، ويطلقون من حولهم البخور، ويطهرونها بالماء .
ويبدأ بعد ذلك الجزء الرئيسى فى الطقوس اليومية، وهو خدمة تمثال المعبود نفسه، حيث يقوم الكاهن بالدخول إلى قدس الأقداس لتنظيف التمثال وتزيينه، وإلباسه حلته وأوسمته، وتقديم وجبته. وفى خدمة الصباح يدخل هذا الكاهن إلى قدس الأقداس المسمى "ﭽسر ﭽسرو" (sr srw)، وقد غشيه الظلام لأن الشمعة قد تكون قد انطفأت، فيبدلها وينشر النور.



ويفضى الكاهن بعد ذلك إلى الناووس، فيكسر الختم، وتسمى هذه الطقسة (طقسة كسر الختم)
ثم بعد ذلك يعمل (طقسة شد المزلاج) .

ثم بعد ذلك يتلو الصيغة التالية: (إن ما يحمله المعبود هو عين "حـور")

وكان المزلاج نفسه يوصد بأصبع المعبود "ست"، لأنه يكون بمثابة عقبة فى سبيل إنجاز الخدمة الإلهية، وكان فتح المزلاج يعنى النصر على "ست"، العدو الأبدى للمعبودين "أوزيـر" و"حـور".

وبعد ذلك يفتح الكاهن الأبواب ويكشف وجه المعبود، ويقوم الكاهن للصلاة مرخياً ذراعيه على جانبيه فى خضوع واحترام مكرراً دعاءه أربع مرات ليبلغ آفاق الوجود الأربعة، ثم يقول: (إننى أمجد جلالتك بتلك الكلمات المختارة بصلوات تزيد من جلالك فى أسمائك العظمى، وفى تجليك المقدس الذى أشرقت به أول أيام الدنيا).
ثم بعد ذلك تأتى عملية الإطعام والتزيين، حيث تُخلع عنه أردية الأمس، وتُستبدل بأخرى جديدة، ثم يتم تزيينه وتعطيره بالزيت.
وكانت خاتمة طقوس الصباح هى رش الماء على الناووس وعلى التمثال، ثم على قدس الأقداس تأكيداً للطهارة المادية، وبعد ذلك يتم إغلاق أبواب قدس الأقداس على ذخائره، ثم ينصرف الكهنة إلى تأدية واجباتهم الأخرى .

خدمة الظهيرة والمساء
وهاتان الخدمتان تشبهان إلى حد كبير خدمة الصباح، ولهذا لن ندخل فى تفاصيل هذه الخدمات. فبعد خدمة المساء، وحين يسدل الظلام أستاره على الوادى، تروح المعبودات مثل البشر فى سبات عميق، ولا يبقى غير الكاهن الفلكى ليرصد من فوق الشرفة -التى تكون فوق المعبد- ظهورَ النجوم يتلو بعضها بعضاً، ليحسب بذلك عدد ساعات الليل .

واجبات الكهنة أثناء الاحتفالات
كانت هناك واجبات أخرى تقع على كاهل كل الكهنة فى أيام الاحتفالات ومواكب الأعياد؛ ففى هذه الاحتفالات كانوا يحملون الناووس المقدس الذى يحوى تمثال المعبود ليقوم بالمشاركة فى الاحتفال، مثل عيد "الأوبت" فى "طيبة". إذ كان الكهنة -حَمَلة الزورق المقدس- يُطلق عليهم لقب (Rmnw)،أى (الكتَّـافَة)، إشارة إلى أنهم كانوا يحملون الزورق على أكتافهم. وقد كانوا يريدون من وراء ذلك ما يرفع من قدرهم، ويزيد من شهرتهم بين أهل بلدتهم، وليكون لهم فى قلب المعبود مكانٌ من الرضا.
وفى هذا الصدد يتحدث أحد المصريين من عصر "الرعامسة"، قائلاً: (لقد حملت "بتـاح" على ذراعـى، فليمنحنى هذا الرب من فضله نوراً). وعلى أية حال فقد كان دور الكهنة لا يقتصر على خدمة المعبود داخل المعبد، ولكن خارجه أيضاً، حيث تخرج المواكب، وعليهم القيام بالفرائض الدينية المتصلة بجوهر الاحتفال. أى أن الكهنة هم خدم المعبود، سواء داخل المعبد، أو خارجه .

.
الظواهر المميزة لخدمة تمثال المعبود

تتميز الخدمة اليومية لتمثال المعبود عن غيرها من الطقوس الدينية بمزيتين رئيستين:

- أن الذى يقوم بهذه الخدمة (وهو الشخص الذى يُسمح له بالدخول إلى قدس الأقداس) كان هو الملك نفسه، أو الكاهن الذى ينوب عنه، وذلك دون غيرهما من أفراد هيئة المعبد . وهذا المعنى هو الذى يعبر عنه الكاهن فى قوله: (إننى الكاهن "حم نثر"، إن الملك هو الذى أمرنى أن أرى المعبود).


- أن الطقوس اليومية الخاصة بخدمة تمثال المعبود كانت فى جوهرها واحدة للمعبودات المختلفة، فهى تؤدَّى بنفس الأسلوب مع مختلف الأرباب .
ويذهب "والتر ب. إمرى" إلى أبعد من ذلك، فيقول أن الطقوس الدينية التى كانت تقام للمعبود -منذ فجر التاريخ فى قدس الأقداس- كانت متشابهة مع تلك التى نعرفها فى العصور المتأخرة، والتى يُنظر إليها على أنها الخدمة اليومية للتمثال . ويرى "سليم حسن" أن هذا التوحيد فى الطقوس الدينية لمختلف الأرباب تفسيره هو أنه كانت فى مصر وحدة عظيمة منظمة لإقامة الشعائر اليومية للمعبودات توجد فى المعابد المختلفة.
وإن صح الرأى الأخير، ولكن التطابق فى الشعائر اليومية بين المعبودات المتعددة وفى مختلف المعابد يؤكد لنا وجود أصل واحد خرجت منه هذه الشعائر. والواقع أنه منذ الأسرة الثالثة كانت عبادة "رع" قد بدأت تستقر وتمد تأثيرها على الملك الحاكم الذى لم يعد منذ الأسرة الرابعة هو "حورس" فقط، ولكن أصبح ابن رب الشمس "رع" (سـا رع).
وهذه القوة الدينية والسياسية التى اكتسبها "رع" دفعت عدداً من الأرباب إلى الاتحاد معه، وبالتالى انتقال كيفية أداء الطقوس والشعائر داخل المعبد من كهنة "رع". وكانت النتيجة أن الطقوس الدينية والسياسية التى اكتسبها "رع"، والتى أخذ بها عند المعبودات المختلفة، أصبحت أيضاً هى بعينها الطقوس المقامة للمعبود "رع آتوم" يومياً، كما حدث هذا أيضاً فى معابد غيره من الأرباب والربات .
وكان الكاهن يقوم بتطهير تمثال المعبود، كما كان المعبود "رع" يتطهر كل صباح فى البِركة المقدسة. ومن "نصوص الأهرام" نلحظ أن المعبودين "حـور" و"ﭽحوتى" كانا يساعدان رب الشمس فى طقوس التطهير. وكذلك فإن تقدمة "ماعت" كل يوم للمعبود كانت مرتبطة أيضاً بالعقيدة الشمسية.
وقد تركت الشعائر الأوزيرية تأثيرها على المعبودات المختلفة، فقد امتدت أساطير الصراع بين "ست" و"أوزير" إلى التماثيل والطقوس. وبوجه خاص التقدمة المقدسة للمعبود، والتى اعتبرت بمثابة (عين "حور") تقدم كقربان إلى "أوزير". ومن هذين المصدرين (العقيدة الشمسية، والعقيدة الأوزيرية) استمد المصرى القديم طقوسه، وصاغ تراتيله ، وأحاطها بكثير من القداسة التى حافظت عليها على امتداد العصور.
ويلاحظ أن المصادر الأصلية التى نعتمد عليها فى معرفة الطقوس الخاصة بالخدمة اليومية للتمثال الخاص بالمعبود، لا تتفق فى تفصيلاتها، فنجد أن عدد فصول الخدمة اليومية فى بردية "برلين" 66 فصلاً؛ فى حين يمكن إدراج مشاهد معبد "أبيدوس" تحت 36 فصلاً فقط. ومن هنا نستطيع القول بأن الاختلاف كان فى الأمور السطحية، أما الجوهر فى مظاهر الخدمة اليومية فى كلا المصدرين فكان واحداً. وتنقسم مظاهر الخدمة اليومية للمعبود إلى قسمين رئيسين هما: - تنظيف تمثال المعبود وتزيينه.- تقديم وجبة المعبود.
ومن الأمور الهامة التى يقوم بها الكاهن قبل دخول المعبد -كما سبق الذكر- هو التطهر فى البحيرة المقدسة الملحقة بالمعبد، وعند وصوله إلى المعبد يشعل النار أولاً، ثم يملأ مبخرة بالبخور، ومادة مشتعلة، ثم بعد ذلك يتقدم إلى قدس الأقداس، حيث يوجد المعبود طوال الليل. وينزع الكاهن الخاتم الطينى من الباب، ثم يدفع المزاليج، ويفتح مصراعى الباب.
ثم يظهر له تمثال المعبود، فيقوم الكاهن بتحية المعبود راكعاً على الأرض من أمام تمثاله. وبعد ذلك يرتل بعد الصلاة نشيداً، ويقدم له العسل أولاً، ويحرق المزيد من البخور، بينما يدور أربع دورات حول التمثال، ثم يقدم قربان (ماعت) فى هيئة شكل أو تمثال الربة "ماعت". ويقوم فى النهاية بأخذ تمثال المعبود من مقصورته، وينزع الملابس القديمة عنه، ثم يمسحه بالزيت المقدس.


أولاً: تنظيف تمثال المعبود وتزيينه

تعرض نقوش معبد "أبيدوس" وبردية "برلين" فصولاً طويلة فى خطوات عملية تنظيف تمثال المعبود وتزيينه. والخطوات الأساسية فى هذا الجانب هى:

التطهير
كما ذكرنا من قبل، كان لزاماً على الكاهن -قبل دخوله إلى المعبد- القيام بتطهير نفسه, ثم ارتداء الملابس الكهنوتية .

وكان التطهير يتم فى بيت الصباح، وهو عبارة عن حجرة صغيرة توجد خارج المعبد ملحقة به . ويتم التطهير عادة قبل بدء الطقوس. ويرى البعض أن عملية التطهير كانت تتم فى البِركة المقدسة، ولكن الأرجح هو الرأى الأول، وهو أن التطهير كان يتم فى (بيت الصباح)، وذلك لأن طقوس التطهير فى (بيت الصباح) كانت تتكون من عدة شعائر للتطهير، مضافاً إليها وضع التاجين الأبيض والأحمر فوق رأس الكاهن .
ويبدو أن هذه الشعيرة كانت مهمة وضرورية لتؤكد نيابة الكاهن عن الملك فى شعائر الخدمة الخاصة لتمثال المعبود. أما التطهير فى البِركة المقدسة فقد كان مجرد شعيرة للتطهير فقط، ويلتزم بها جميع الكهنة دون تفرقة.
ويذهب "أليوت" إلى أن التطهير فى بيت الصباح كان يحدث فقط فى المناسبات، أما فى الأيام العادية فكان الكاهن يتطهر فى البِركة المقدسة، وذلك أسوة بزملائه؛ وذلك لأن طقوس التطهير فى (بيت الصباح) طويلة، وليس من المعقول أن يؤديها الكاهن كل يوم، فضلاً عن أن ما يُفهم من مناظر معبد "إدفـو" من العصر البطلمى هو أن التطهير كان يتم فى البِركة المقدسة.
دخول "قـدس الأقـداس"

بعد التطهير فى "بيت الصباح"، يتجه الكاهن إلى حجرة القرابين، حيث يتسلم مبخرة من كاهن آخر للقيام بتبخير القرابين التى تم إحضارها إلى هذه الحجرة فى الصباح الباكر . ثم يأخذ الكاهن فى يده اليمنى إناء التطهير، بينما يمسك فى يده اليسرى المبخرة المشتعلة، ويتجه إلى قدس الأقداس، فيشد المزلاج، ويفتح إحدى ضلفتى الباب، بينما مساعده الذى كان قد رافقه ينصرف بعد أن يغلق الباب وراءه.
وأثناء هذه الشعائر كان الكاهن يردد التراتيل، ومن بين هذه التراتيل: (لقد صعدت إليك، وطهورى فوق يدى، ولقد مررت على الربة "تفنوت"، فطهرتنى "تفنوت"، فأنا كاهن وابن كاهن هذا المعبد).
وقد كانت الحركات التى يؤديها الكاهن تعبر بشكل رمزى عن أسطورة "حورس"، فالكاهن يحمل إلى المعبود عينَ "حورس"، والمزلاج نفسه يرمز إلى أصبع عدوه التقليدى "ست"، لأنه يكون بمثابة عقبة فى سبيل إنجاز الخدمة الإلهية. فهو الذى يفصل الكاهن عن المعبود المغلق عليه قدس الأقداس .
وشد المزلاج وفتحه يعنى إحراز نصر على العدو الأبدى للمعبودين "أوزير" وابنه "حـور"، وهو المعبود "ست". وبينما يقوم الكاهن بشد المزلاج يردد التراتيل: (سيرخى الرباط، ويحل المقبض حتى يجتاز الباب، لقد طرحت أرضاً كل الشرور التى كانت علىَّ).
وعندما يُغلق باب قدس الأقداس على الكاهن، يصبح فى ظلام دامس، حيث أن قدس الأقداس عبارة عن حجرة صغيرة لا يدخلها النور إلا من باب الدخول، فيقوم الكاهن بإضاءة شعلة بواسطة نار المبخرة التى يحضرها. ومن هذه الشعلة كانت تخرج رائحة ذكية تفوح بعطرها عند اشتعالها، وهذه الرائحة تعطر قدس الأقداس، وتطهره.
ويعتبر قدس الاقداس أهم أجزاء المعبد، وهو "مقصورة المعبود" التى تُعرف فى المصرية القديمة باسم "ست ورت"، أى: (العرش الكبير)، أو: (الموضع العظيم)، وهو نفس الاسم الذى يطلق على "عرش الملك". وقد يدل هذا على أن كلاً متوجٌ فى مكانه، الملكُ فى قصره، والمعبودُ فى معبده، حيث يقيم وتقدَّم له شعائر التعبد والقرابين. والناووس الذى كان يحفط تمثال المعبود به كان يتناسب حجمه مع حجم التمثال.
ولقد جُعل وسط قدس الأقداس قاعدة ليستقر عليها الناووس أو الزورق المقدس . وقد تنفصل حجرة قدس الأقداس عن حجرة الزورق المقدس كما فى معبد "الأقصر".
ويرى "أرنولد" أن مساكن المعبودات كانت تشتمل على حجرة للتمثال حيث يقيم فيها، وحجرة أخرى لمائدة القرابين حيث ينادى على المعبود ليتناول وجباته الغذائية، وحجرة ثالثة كبيرة نسبياً خصصت للزورق المقدس الذى كان المعبود يستعمله فى تنقلاته الخارجية (فى الأعياد والاحتفالات).
وقد اعتبر المصرى القديم تمثال المعبود فى قدس الاقداس "سـراً أكبر من الأسرار الخاصة الموجودة داخل السماء، وسراً أكبر من الأسرار الخاصة بالعالم الآخر، ومختفياً أكثر من سكان العالم الأزلى". وعلى هذا الأساس كان التمثال يوضع داخل مقصورته أو ناووسه، ويغلق عليه، ثم يوضع فى حجرة خاصة به، هى حجرة التمثال المعروفة بقدس الأقداس. وكان هذا التمثال هو محور الخدمة اليومية فى المعبد، ولم يعتقد المصرى القديم أن التمثال هو المعبود، ولكنه اعتقد أنه من خلال طقوس معينة تتقمصُ روحُ المعبودِ فى تمثالِه. وغالباً ما يشتمل المعبد على مقاصير بعدد الأرباب والربات الذين يُعبدون فيه، وكانت المقاصير فى الغالب ثلاثة للثالوث المقدس فى المعبد.
ويجب ملاحظة الصعود التدريجى والظلام التدريجى الذى يبدأ من صرح المعبد حتى قدس الأقداس. فالأرضيات ترتفع بالتدريج ابتداء من بهو الأساطين، وحتى قدس الأقداس . كما يلاحظ أيضاً أن سقف قدس الأقداس هو أقرب ما يكون من الأرضية، فهو أكثر انخفاضاً من باقى أجزاء المعبد.
وهكذا فالفناء المكشوف يغمره الضوء فى النهار، ويعقبه ضوء خافت فى بهو الأساطين، وظلام مقصود فى الحجرات الخاصة بالرب الذى يُعبد فى المعبد. وربما كان الهدف من ذلك بعث الرهبة والخشوع والإحساس بالغموض فى نفس أى شخص يدخل إلى هذا المكان المقدس.
وكانت جميع أجزاء أو أقسام المعبد الرئيسية تقام على محور واحد يتوسطه طريق يبدأ من مدخل المعبد حتى يصل إلى قدس الأقداس، وذلك لتحقيق السهولة لوصول موكب المعبود الذى يتجسد فى شكل التمثال الذى كان يُحمل داخل ناووسه على أكتاف الكهنة إلى خارج المعبد، أو إلى داخله.
كما يلاحظ أيضاً أن من التقاليد الدينية لبعض الأرباب -مثل "آمون"- أن التمثال المقدس كان يوضع فى مقصورة داخل زورقه المقدس، وكان يُحمل أيضا على أكتاف الكهنة مصحوباً بكبار رجال الدولة، وذلك فى مواسم وأعياد معلومة سنتعرض لها تفصيلاً فى فصل لاحق. وتعرف الطقسة الخاصة بالدخول إلى قدس الأقداس باسم (الطلعة الملكية


الكشف عن وجـه المعبود وتزيينه

وعقب الدخول إلى قدس الأقداس، يقترب الكاهن من الناووس الذى يوجد فيه تمثال المعبود، بينما تتردد خارج قدس الأقداس "أغنية الصباح" التى توقظ بها المعبودات . والأغنية التى تتردد خارج قدس الأقداس هى: (استيقـظى بسـلام، استيقظى بسـلام، إن يقظـتك هـادئة). وكما سبق الذكر، يبدأ الكاهن فى حل رباط الختم، وكسر الختم، ثم يشد أو يحل المزلاج, وفى هذه الأثناء يردد أنشودة يقول فيها: (إن الربـاط قد حُـلَّ، والختـم قد فُـضَّ، وكل ما فى شـرٍّ قد تُـرك جـانباً، إننى آتٍ لأحضـر لك عـينَ "حـور").
وبعد حل رباط الختم، وكسر وشد المزلاج، يبدأ الفصل الخامس بالكشف عن وجه المعبود . وتُعرف الطقسة الخاصة بالكشف عن تمثال المعبود باسم (رؤية المعبود). ويقوم الملك أو الكاهن المُوكَّل عنه بالوقوف أمام تمثال المعبود خاشعاً. وطبقاً للنصوص فهو (يقبِّل الأرض)، و(ينبطح على بطنه)، وإن كانت المناظر توضح أنه يُكتفى بالركوع فقط . ويرى "نلسون" أن الكشف عن وجه المعبود لا يعنى رفع غطاء عن التمثال، لأن التمثال لم يكن دائماً مغطى، وإنما الكشف هنا معناه مجرد رؤية المعبود .
ويسترسل الكاهن فى الانحناء أمام تمثال المعبود وتقبيل الأرض، وهو يردد: (إننى أقبِّـل الأرض، ووجهى إلى أسفل، لقد أتيت إلى سيدى...) . ويلاحظ أن التراتيل التى يرددها الكاهن أثناء هذه الشعيرة تتشابه مع صيغ الاعتراف بالبراءة عملية التبخير
وبعدما يقوم الكاهن برؤية تمثال المعبود، يبدأ عملية التبخير، وهى عملية معروفة باسم (إطلاق البخور)، بعد كشف الوجه بالمبخرة . ويقترب الكاهن من الجزء الذى يقوم فيه تمثال المعبود داخل الناووس، قائلاً: (سـلام على المعبـود، الـروح الحيَّـة التى تقهـر أعداءهـا، إن روحـك معـك، وعصـاك إلى جانبـك، وإننى لطـاهر) . وعندما يلمس الكاهن تمثال المعبود تحل روحه فى التمثال، ويصبح المعبود -من ثم- موجوداً فى المعبد.

إعادة دخول قدس الأقداس لاستكمال الشعائر

وتشير بردية "برلين" ومقاصير "أبيدوس" ومناظر المعابد البطلمية إلى أن الدخول إلى قدس الأقداس كان يحدث مرتين. وقد كان ذلك مثاراً للاختلاف بين الباحثين.
فبينما يعتقد البعض أن إعادة الدخول إلى قدس الأقداس مرة أخرى تمثل إقامة الشعائر للوجهين القبلى والبحرى ، يعتقد البعض الآخر أن إعادة الدخول إلى قدس الأقداس مرة أخرى كان بهدف إدخال القرابين إلى المعبود . وعلى أية حال فإن الكاهن يعود مرة أخرى إلى قدس الأقداس فى شعائر مشابهة للمرة الأولى .
ويرى آخرون أن الملك كان يدخل الناووس مرتين، الأولى بغرض التبخير والتطهير، والثانية ليقدم القرابين. وكان الملك يدخل الناووس ليحتضن التمثال، أو ليلمسه ليتبارك به .
وفى المرة الثانية، وبدلاً من إحضار (عين حورس)، يقدم للمعبود تمثال الربة "ماعت"، والذى يجعله يستمد حياته الحسية بالمفهوم المادى. وكما يقول الكاهن للمعبود: (إن عينك اليمنى هى "ماعـت"، وعينك اليسرى هى "ماعـت"، وجسمك هو "ماعـت"، وأعضاؤك هى "ماعـت").
ثم يقوم الكاهن بإخراج التمثال من الناووس بواسطة طقسة وضع اليدين على التمثال، ثم يحضر الصندوق الذى يحتوى أوانى البخور والمساحيق وربما الأقمشة المتعددة الألوان. ويبدو أن هذا الصندوق كان داخل قدس الأقداس بصفة دائمة. ويبدأ الكاهن برفع الأصباغ القديمة من التمثال، ونزع أرديته السابقة، ثم يقوم بطقوس التطهير بحرق البخور، والدوران حول تمثال المعبود أربع مرات، وذلك كما يظهر فى مقاصير "أبيدوس".
ويبدأ الملك أو الكاهن من هذه اللحظة معاملة تمثال المعبود معاملة الإنسان الحى، فيطهره ويلبسه ويزينه، ويمسحه بالزيوت المعطرة، ويقدم له الطعام والشراب . وبعد ذلك يتولى الكاهن إلباس التمثال رداءه، ويقوم بتجميله بالأصباغ، وتزويده بشاراته وصولجانه، وعصا الحكم والسوط، والأساور والخلاخيل، والريشتين اللتين يضعهما فوق رأسه ، ويصاحب ذلك كله تراتيل مختلفة.
وعندما يزيل الكاهن الدهان السابق من تمثال المعبود، يقوم بوضع الدهان الجديد، ويردد: (إننى أملؤك بالدهـون التى خرجت من "عيـن حـور" حتى تربـط عظـامك، وتضم أعضـاءك، خـذها إنهـا طيبة الرائحة، إنهـا فى طبيعتهـا "رع" عنـدما يرتفـع فى الأفـق).
وأخيراً يضع الكاهن كل الأدوات والأوانى التى استخدمها فى الطقوس داخل صندوقها، ثم يأخذ المبخرة ويطهر أرجاء الحجرة، ثم يغلق ضلفتى باب الناووس، ويخرج من قدس الأقداس.

تقديم وجبة المعبود

وكان تقديم الطعام والشراب بمثابة عملية رمزية روحية، فالمعبود لا يطعم ما كان يقدم إليه، وإنما المأكل والمشرب كانا يقدمان إلى تمثاله حيث تكمن الروح، ولذا كان ذلك يتم فى منأى عن الأنظار، حيث أن روح الطعام والشراب تذهب إلى روح التمثال دون أن تمس القرابين التى تكدست أمامه، وعندما يشبع المعبود بعد وقت محدد ومن معه من الأرباب الذين يقيمون معه فى حرمه المقدس.

وتوضع القرابين أمام تماثيل كبار رجال الدولة ممن حظوا بشرف إقامة تماثيلهم داخل الحرم المقدس، وبعد إطعام روح المعبودات وأرواح كبار الشخصيات من الموتى، وهو الهدف الأساسى للقرابين، تؤخذ هذه القرابين إلى مكان خصص لها، حيث توزع طبقاً لنظام محدد بين مختلف كهان المعبد. وهكذا كانت تعيش فئة الدنيويين من تلك القرابين المخصصة للمعبود، مستمتعين بحقيقتها المادية بعدما شبعت روح الأرباب وأرواح الموتى من كبار الدولة بجوهرها الروحى .

تقديم تمثال "ماعت" للمعبود

وبعد ذلك يقدم الملك إلى المعبود تمثالاً صغيراً للربة "ماعت"، ويعرف هذا الطقس باسم (تقدمة الـ "ماعت")، وهى هنا -بجانب الطعام والشراب- ترمز إلى الغذاء الروحى للمعبود. فالأرباب -طبقاً للنصوص المصرية القديمة- تحيا بالـ "ماعت"؛ إذ أنها بمثابة الضمان لحياتهم، وهى التى تمثل التوازن الذى يمنع الكون من الدمار (انظر فصل لاحق عن: الطقوس والشعائر والقرابين).

طقس وضع الذراعين على المعبود

وبعد ذلك يُخرج الملكُ التمثالَ من الناووس، ويضعه على الأرض؛ وهو الطقس المعروف بـ (وضع الذراعين على المعبود)، ثم يقوم بتطهيره وإلباسه، ومسحه بالزيوت المعطرة. ويبدأ الكاهن بتنظيف الناووس، ثم يقوم بنثر الرمال، ثم يحضر ما يحتاجه من مستلزمات التطهير من صندوقه بجانبه، وهو الطقس المعروف باسم (وضع اليدين حول الصندوق لعمل التطهير).

ثم يبدأ بعد ذلك بمسح الزينة القديمة من التمثال، وهى شعيرة (إزالة المدﭽت)، ثم يقوم بتغير ملابس المعبود. ويأتى التطهير بواسطة أوانى "دشرت" الأربعة، ومرة ثالثة بواسطة إناء "إعب"، ومعه أربع حبات من البخور. ثم يأتى عقب ذلك التطهير بواسطة البخور، ثم يقدم خمس حبات من ملح نطرون مصر السفلى، وخمس حبات من ملح نطرون مصر العليا، وأخيراً يبدأ الملك أو الكاهن بتزيين تمثال المعبود.

وبعد ذلك تبدأ شعيرة إلباس الجسد ثوب الـ"نمس"، ثم إلباس الثوب الأبيض، ثم إلباس الثوب الأخضر، ثم إلباس الثوب الأحمر، وأخيراً تقليد التمثال أشكالاً مختلفة من القلائد، نذكر منها قلادة "وسخت"، أى (الواسعة)، و"شسبت"، و"معنـﭽت". ويختم الكاهن الشعائر بالتطهير مرة أخيرة بالماء، وبأنواع مختلفة من البخور؛ ثم يُدخل التمثالَ إلى ناووسه، ويغلق باب الناووس، ويزيل الكاهن أخيراً آثار أقدامه قبل خروجه.

ويعتقد (Bonnet) أن الهدف ليس فقط العناية الخارجية بالتمثال من تنظيف وتزيين مثلما يفعل الانسان كل صباح من اغتسال وتزيين وتغيير للملابس؛ ولكن الهدف من الطقوس اليومية هو تحرير التمثال من الأرواح الشريرة، وأن يمنح يومياً قوة الحياة الإلهية، وجعله مركزاً لهذه الألوهية.

ويضيف "سيمفريد مرنس" أن الطقوس الخاصة بالخدمة اليومية تُكسب التمثالَ قوةً روحية وحيوية؛ فوجود الروح فى التمثال يؤكد وجود المعبود فى المعبد. وكان المصرى القديم يحتفظ بتمثال خاص يرمز إلى معبود بعينه، ويقدم لهذا التمثال فروض الاحترام بما ينم عن تقديسه للمعبود المتجسد فيه. ويوضح ذلك ما ذكره "بلوتارخ" نقلاً عن محدِّثيه من المصريين: (المسألة ليست أننا نكرم هذه الأشياء (أى التماثيل نفسها)، بل أننا نكرم عن طريقها الألوهية ما دامت هى بطبيعتها أشد المرايا صفاء لإظهار الألوهية، لذلك يجب علينا أن نعتبر هذه الأشياء بمثابة أداة (فى يد) الإله الذى ينظم كل شئ).

كهنة الوحـى الإلهـى



لعب الوحى دوراً هاماً فى حياة الشعب المصرى القديم. ولم يكن الوحى الإلهى إلا لعبة سياسية من قبل الكهنة ليخدعوا بها الشعب متذرعين بما يدَّعون أنه كلمة من الإله.
وفى العصور القديمة كان الكهنة يلجئون إلى الوحى للفصل فى المنازعات فى الغالب. وقد
لعب الوحى دوراً كبيراً فى العصر المتأخر، واشتهرت بعض المعابد فى هذا العصر بالوحى، مثل (معبد الوحى) فى واحة "سـيوة"، وكان مخصصاً للمعبود "آمـون"، ونال شهرة فائقة فى العصر المتأخر.
أى أن الكهنة لعبوا دوراً كبيراً فى ذلك بوصفهم القائمين بالوساطة بين المعبود والبشر، وبوصفهم حاملى كلمة المعبود، وناقلى الإرادة الإلهية للشعب. فقد كان الكهنة هم المسئولين عن الوساطة فى توصيل طلب الوحى أو الشكاوى للمعبود، وكذلك كانوا مسئولين عن إيصال رد المعبود إلى الناس. ولم يكن هناك كهنة مختصون تحديداً بهذا الإجراء، وإنما كان يقوم به كهنة المعبود فى معبده، أو فى مواكبه المقدسة . دور كهنة الجنازة



والكهنة كانوا يقومون بدور هام قبل دفن الموتى، فهم الذين يتلون فصول الشعائر الجنائزية، ويؤدون كل الشعائر والأدعية الخاصة بالاستعطاف، والطقوس المحببة على مومياء المتوفى أو تمثاله.

ويقوم الكاهن المسمى (sm) بطقسة (فتح الفم) للمتوفى، والتى كان الغرض منها رمزياً للإشارة إلى البعث والحياة من جديد فى العالم الآخر، وأن يتقبل القرابين فى العالم الآخر

ويقوم الكاهن المسمى "سم" بطقسة فتح الفم
وغالباً ما كان الكهنة - الذين يظهرون عادة فى موكب الجنازة - يُسمون بأسماء عتيقة، قد تكون من أسماء أجدادهم الأولين الذين كانوا يشتركون فى الجنازات الملكية فى عصور فجر التاريخ، مثل (Imy-r xnt)

، أى: (رئيس الأولين أو المتقدمين).

أى أن واجبات الكهنة لم تكن بالقليلة، فكان عليهم واجبات كثيرة، فقد كان بجانب هذه الواجبات واجبات متخصصة لكل كاهن، والإشراف على موارد المعبد وغيره من مخازنه وممتلكاته. وربما أن تزايد واجبات الكهنة كان نتيجة أن الكهنة والمعابد لا يمثلون فى الحضارة المصرية عالماً قائماً بذاته، إذ أن المجالات الدينية والسياسية والإدارية والاقتصادية كانت مرتبطة فيما بينها ارتباطاً وثيقاً .